ابحث

 

 

 


سعي الصفاء والمروءة 

2008/11/4

د. محمد سيد أحمد المسير

 

من مناسك الحج السعي بين الصفا والمروة، وهما في الأصل جبلان قريبان من الكعبة، وأصبحا الآن داخل المسجد الحرام، يبدأ السعي من الصفا بقراءة الآية الكريمة: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يَطَّوَّف بهما من تطوع خيرًا فإن لله شاكر عليم) (سورة البقرة: 158).

وقد يتوهم البعض أن السعي ليس ركنًا، وقد سأل عروة بن الزبير خالته السيدة عائشة فقال: إني لأظن رجلاً لو لم يَطُف بين الصفا والمروة ما ضرَّه، قالت: لِمَ؟ قال: لأن الله تعالى يقول: (إن الصفا والمروة من شعائر الله...) إلى آخر الآية، فقالت: ما أتمَّ الله حج امرئ ولا عمرته لم يَطُف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول لَكان: "فلا جناحَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما"، وهل تدري فيم كان ذاك؟ إنما كان ذاك أن الأنصار كانوا يهلون في الجاهلية لصنمين على شط البحر يقال لهما إساف ونائلة، ثم يجيئون فيطوفون بين الصفا والمروة، ثم يحلقون فلما جاء الإسلام كرهوا أن يطوفوا بينهما للذي كانوا يصنعون في الجاهلية فأنزل الله عز وجل: (إن الصفا والمروة من شعائر الله...) إلى آخرها فطافوا، وإذا كان الحاج يسعى بين الصفا والمروة فأحرى بنا أن نسعى في مناحي الحياة كلها خيرًا وبِرًّا ومعروفًا.

فهناك سعي إلى ذكر الله والصلاة وبيوت الرحمن، قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمُعة فاسعَوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (سورة الجمعة: 9).

فلا يصح شرعًا مباشرة أي عمل ممن يجب عليه الجمعة وقت النداء لأهمية اجتماع المسلمين في رحاب بيوت الله يتدارسون القرآن ويتفقهون في الدين ويتعارفون محبة لله وفي الله.

وهناك سعى لطلب العلم فإن الحكمة ضالَّة المؤمن يبحث عنها وينقِّب ويتحمل البأساء والشدة.. وفي حديث رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة. وإن الملائكة لَتَضَع أجنحتَها لطالب العلم رضًا بما صنع. وإن العالم يَستَغفِر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورَثة الأنبياء، وإن العلماء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر".

وهناك سعي لإعفاف النفس والولد، وتوفير حاجات الأسرة ونفقاتها، وهو أفضل السعي وثوابه أجزل الثواب، وذات يوم مرَّ على النبي -صلى الله عليه وسلم- رجل، فرأى الصحابة من جلَده ونشاطه فقالوا: يا رسول الله لو كان هذا في سبيل الله، فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إن كان خرج يسعى على ولده صغارًا فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى على نفسه يعفها فهو في سبيل الله، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان" (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح).

وهناك سعي في حوائج الناس وتيسير العون للضعفاء وكفالة المحتاجين، وفي صحيح الحديث قال -عليه الصلاة والسلام-: "مَن نفَّس عن مؤمن كربةً من كرَب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

وهناك سعي على الأرامل والمساكين ورعاية لليتامى، وهو يَعدِل قِمَم العمل الديني السامي كالجهاد وقيام الليل بغير نوم وصيام النهار بغير انقطاع. قال -عليه الصلاة والسلام-: "الساعي على الأرملة والمِسكِين كالمجاهد في سبيل الله". قال أبو هريرة رضي الله عنه وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتُر وكالصائم لا يُفطِر.

إن حركة الحياة واستمرارها مرتبطة بالسعي الحثيث، ويكون السعي مثمرًا بنَّاءً بقَدْر صلته بالله والتزامه بمنهج الله حينئذ يعمّ الخير، وتنتشر المُروءة، ويسود الصفاء.


الدكتور محمد سيد أحمد المسير أستاذ العقيدة بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع