آخر تحديث: الإثنين 21 محرم 1429 هـ

ابحث

 

 

 

بلغوا عني


حشد التوحيد الأكبر

2007/12/10

أسامة طه حمود

في تلك الأيام المباركة ينطلق الناس من كل فجٍ عميق يؤمّون البيت الحرام، ويتقاطرون من المشارق والمغارب مخلّفين وراءهم أهلهم وأموالهم وأعمالهم، تجردا لله، والتماسا لرضاه.


لقد رصد الله تعالى للحاج والمعتمر الأجر العظيم والثواب الجليل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حجّ فلم يرفث ولم يفسُق رجع كيوم ولدته أمه" (متفق عليه).


وقال صلى الله عليه وسلم: "العمرةُ إلى العمرة كفّارة لما بينهما والحجّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة" (متفق عليه).

ومن غير المعقول إن يحصّل الإنسان هذا الثواب الجزيل من فراغ، فما هي أسرار الحج وغاياته؟

إن أعمال الحج ليست -كما يظن بعض الناس- طلاسم بلا معنى، أو صوراً بغير حقيقة، كلا إنها عمل المؤمن الجاد للحقيقة التي تملك عليه عقله وقلبه.

إن حقيقة مناسك الحج فوق ما تدرك النفوس المريضة، وفوق ما يزعم الشاعر بقوله:

وقوم أتَـوا من أقاصي البلاد *** لرمي الجمار ولثـمِ الحجر!

كلا إنها توحيد وتلبية لله، وتجديد الولاء والعهد له سبحانه، وليست -كما تزعم الكاتبة الشهيرة- رحلة أفعال وثنية!

إن الحج ليس عبادةً للبيت، إنما عبادة لرب البيت سبحانه، والبيت ما هو إلا رمز من قديم الزمن.

حتى قريش ما كانت في ساعة الشدة والكرب تلجأ إلا إلى ربّ هذا البيت وحده، وها هو عبد المطلب لا يواجه أبرهة بقوة الأصنام، إنما يواجهه برب هذا البيت الذي يتولى حماية بيته، لم يواجهه بصنم ولا وثن، ولم يقل له: إن الآلهة ستحمي بيتها، إنما قال له: "أنا رب الإبل وإن للبيت ربًّا سيمنعه"!.

والمعنى كما في تفسير الوسيط: وبعد أن ذكّرهم سبحانه بنعمه، أمرهم بشكره، فقال: {فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} [قريش:3]، أي إن كان الأمر كما ذكرنا لهم، فليخلصوا العبادة لله تعالى، الذي حمى لهم البيت الحرام، والكعبة المشرفة.

وفي تفسير مفاتيح الغيب: "أي ليجعلوا عبادتهم شكراً لهذه النعمة واعترافاً بها، وذلك لأن نعم الله عليهم لا تُحصى، فكأنه قيل: إن لم يعبدوه لسائر نعمه، فليعبده لهذه الواحدة التي هي نعمة ظاهرة".

إن رحلة الحج رحلة توحيد وتجرد، رحلة هجرة من مشاغل الدنيا إلى الله تعالى، إنها رحلة ذِكر وتفانٍ في الحب والخضوع للذي أوجد وخلق، وأعطى ورزق.

فإذا كان المادي لا يرى إلا المادة ومفرداتها، وإن كان الجاحد يغدر بميثاق الفطرة المتركز فيه على نحو ما قال الأخطل:

ولست بصائم رمضان عمـري *** ولست بآكل لحـم الأضاحـي

ولست بقائـل ما عشـت يومًا *** قبيـل الصبح حي على الفلاحِ

فإن المؤمن يعيش لغاية عظمى، ويحيا لرسالة يستعلي بها عن المادة والماديين، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، ولو كان أعظم أهل الأرض في مطاعمها ومناعمها.


وإن كان المادي لا يرى إلا المادة، فإن المؤمن لا يطمئن إلا بتوحيد ربه والقرب منه، بل إنه يجد فيما يشق عليه حلاوة النصر، وحلاوة الظّفر بمن يحب!

{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} [البقرة: 165].

فإذا كان الهازل مع الحياة يجد في المادة شهوته ولذته، ويعبد التراب ليعيش حياة الوثنية بامتياز، فإن المؤمن يجد في الحق ثروتَه وكرامته وأثير حياته، ليعيش حياة التوحيد بامتياز.


إن المؤمن رجل تجرَّد من أهوائه، وجدَّ في تَلَمُّس الحقّ، وهو مَهديٌّ إليه، بل ومستمتع ومستأنس به.

رحلة التوحيد

إن المتأمل في أفعال الحج يلحظ أنها تظاهرة كبرى –كما يعبّر الشيخ الغزالي- اختار القدر زمانها ومكانها، لدعم التوحيد وغرسه في القلوب، وجمع الناس في المشارق والمغارب على معانيه، وقد بدأ بذلك إبراهيم عليه السلام من قرون سحيقة: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26].

وبوأنا كما يقول ابن كثير: "أي أرشده إليه وسلّمه له وأذن له ببنائه"، ومعنى ألا تشرك بي شيئا: واذكر أيها المخاطب وقت أن هيأنا لإِبراهيم عليه السلام مكان بيتنا الحرام، وأوصيناه بعدم الإِشراك بنا، وبإخلاص العبادة لنا، كما أوصيناه أيضا بأن يطهر هذا البيت من الأرجاس الحسية والمعنوية الشاملة للكفر والبدع والضلالات والنجاسات، وأن يجعله مهيأ للطائفين به، وللقائمين فيه لأداء فريضة الصلاة.

وفي نفس السورة في الآية الحادية والثلاثين وهي تتحدث عن شعائر الحج: {حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} [الحج:31].

إنما يريد الله من الناس أن يميلوا عن الشرك كله، وأن يجتنبوا الوثنية كلها، وأن يستقيموا على التوحيد الصادق الخالص، جاء في الظلال: ثم يرسم النص مشهداً عنيفًا يصور حال من تزل قدماه عن أفق التوحيد، فيهوي إلى درك الشرك، فإذا هو ضائع ذاهب بدداً كأن لم يكن من قبل أبداً! إنه مشهد الهويّ من شاهق: {فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء} وفي مثل لمح البصر يتمزق {فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ} أو تقذف به الريح بعيداً بعيداً عن الأنظار: {أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} في هُوةٍ ليس لها قرار!

وهي صورة صادقة لحال من يشرك بالله، فيهوي من أفق الإيمان السامق إلى حيث الفناء والانطواء، إذ يفقد القاعدة الثابتة التي يطمئن إليها -قاعدة التوحيد- ويفقد المستقَرّ الآمن الذي يرجع إليه، فتتخطفه الأهواء تخطف الجوارح، وتتقاذفه الأوهام تقاذف الرياح، وهو لا يمسك بالعروة الوثقى، ولا يستقر على القاعدة الثابتة، التي تربطه بهذا الوجود الذي يعيش فيه".

إنه أول بيت وضع لعبادة الله، والإخلاص له، ومنه بدأت الملّة الحنيفية على يـد أبينا إبراهيم عليه السلام0

نعم إن معرفة الله مركوزة في كل طبع، واسمه الكريم في كل لغة وعلى كل لسان، لكن هذه المعرفة لا تأخذ امتدادها واستواءها إلا عندما يتعانق العقل السليم مع الوحي المصفّى، ثم يتدرب على المرء على تمجيده مجتهدا لمعرفة نعوت قداسته، وأنوار جلالته0

إن رحلة الحج هي رحلة توحيد من أولها إلى آخرها، رحلة تدريب وعبادة وخشوع، شعارها المسموع هو التلبية "لبيك اللهم لبيك" أي أستجيب لك، وألبي نداءك مرةً بعد مرة، ليسجل الإنسان -بهذا الشعار- على نفسه مبدأ السمع والطاعة لسيد الكون كله، لله الواحد، الذي خلقنا وخلق أجدادنا0

فاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُم

إن المسلمين يستشعرون في رحلتهم العظيمة جلال العقيدة التي جمعهم الله من المشارق والمغارب عليها، ونوّر قلوبهم بها، فهي تجديد الولاء في القلوب، وإحياء الذِّكر في الأفئدة.

إنها رحلة ذكر لله وللعهد الذي بيننا وبينه، فذِكر الله تعالى وعدم الغفلة عنه من القضايا الكبرى في حياة الإنسان، فالمؤمن لا يعرف له إلا سيدًا واحدًا، فهو خاضع له ومُحب وذاكر شاكر، أما المشرك والغافل، فلا يعبد إلا نفسه، فهو مقطوع عن الله، والقلب الذي ينقطع عنه تيار الذكر، سرعان ما تغلبه الأحاسيس الرخيصة، والمتأمل في أعمال الحج يجد القرآن الكريم يقرنها بقضية الذكر:

{فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} [البقرة: 198].

وبعد هذه الآية بآيتين: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أو أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200].

هل نغفل ونفتر بعد العبادة؟ المطلوب ألا نغفل عنه سبحانه، إنما الإلحاح في الذكر هو دَيدن المؤمنين، وفي سورة الحج: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج: 28].

مغانم الحج

مناسك الحج إذن تعليم للناس وتدريب على الإلحاح في ذكر الله، لأنه بالذكر يكون المرء مع الله، وفي الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني".

إنه شرط لعطاء: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [ البقرة: 152].

فبالذكر يستحق الإنسان عطاء الله ومعيّته وتوفيقه، وهنا يترقّى ويتم له التحقق بمقامات الإيمان، من العفة والقناعة، والإحسان والشكر، وشتى صفاته الفاضلة.

وبالتخلص من مشاغل الدنيا في رحلة الخلود، يمتلئ القلب بالتسبيح والتحميد والابتهال، ثم يعود بالذكريات القديمة، ذكريات بناء البيت الأول على ظهر الأرض، ذكريات السعي والحالة التي كانت عليها السيدة هاجر وهي تطلب السقيا لها ولولدها، إن السعي هنا تجديد لعاطفة الاتكال على الله، وانتظار البركة والفرج ممن عنده خزائن السموات والأرض:

{وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} [الحِجر: 21]

فحينما يمتلئ الفؤاد بذكر الله، فإن صاحبه ينعطف ويتوكل على رب العالمين، على مصدر القوى كلِّها، ومنبع الخير كلِّه.

إن ذِكر الله ساعة الشدة والرخاء شيء خطير، والانقطاع عن الله أيضا شيء خطير، فمن ذكر الله واستحضر عظمته، فقد وجد كل شيء، ومن غفل عنه فقد كل شيء!

إن الحج إعلان رائع عن حقيقة التوحيد، وإسقاط مخزٍ لخرافة الشرك، لذا يقول القرآن هنا:

{لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ} [الحج: 67].

إن لكل أمة منهجًا وطريقة في التفكير والاعتقاد، فالأمة التي تفتح قلوبها لدواعي التوحيد هي الأمة المهتدية، والأمة التي تغلق قلوبها دون تلك الدواعي والدلائل، أمة ضالة تزداد ضلالاً كلما زادت إعراضاً عن التوحيد.

فإن كان التوحيد عنوان أمة الرسالة، فالوثنية عنوان دولة المادة، التي تشم من أخلاقها -مع كَرّ الغداةِ ومَرّ العشيّ- نتن الطين، وترى فيها كَدَرَه وسواده، ولو صعدت الفضاء، وتخطط الجوزاء.

إن التوحيد باب المحبة، ولا عيش إلا عيش الموحدين المحبين، الذين قرّت أعينهم بحب الله، وسكنت نفوسهم إليه، واستأنسوا بقربه، وكما يقول علماء التزكية، إن في القلب فاقة لا يسدُّها إلا محبة الله، والإقبال عليه، والإنابة إليه، ولا يلمُّ شعثه بغير ذلك أبدا، ومن لم يظفر بذلك فحياته كلها هموم وغموم، وآلام وحسرات، فإنه إن كان ذا هِمة عالية تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، وإن كان مهينًا خسيسًا، فعيشه كعيش أخسِّ السوائم!

إن توافد الحجيج من كل فج عميق، من أعظم المشاهد تأثيرا في النفس الإنسانية، ومن أعمق الشواهد على ولاء البشر لخالقهم، وتجديدِ البيعةِ لرازقهم، وارتباطهم بالوحي والهدى الذي جاء من عنده.

فهنيئا لحجاج البيت الحرام، وهنيئا لكل مَن تعلق فؤاده بسيده، وخَفَقَت دقاتُ قلبِه بحبه والشوق إليه، إنه غير محروم ولو كان في قَعر بيته، فهو يسمع صدى الملبّين، ويردد معهم لحن الموحدين: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك".

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع