|
بداية
أود أن أثير التفكير حول طريقتين في
أسلوب مواجهتنا لقضايانا العامة
المتصلة بحركة الأهداف الكبيرة في
حياتنا، سواء فيما نثيره من قضايا
الوحدة على مستوى الطائفة أو الإقليم
أو الأمة وما إلى ذلك، أو من قضايا
المصير الأخرى المرتبطة بمواجهة
التحديات السياسية والعسكرية
والاقتصادية، المفروضة من جانب
المحاور الداخلية أو الإقليمية أو
الدولية.
أولا:
الطريقة الحالمة:
أولى
هذه الطرق هي تلك التي تتعاطى مع
المشروع أو الهدف الكبير بشكل عاطفي
انفعالي، غارق في ضباب الأحلام
الوردية التي يحلِّق معها الإنسان في
عالـم من السحر السابح في الخيال.
وتتميز
هذه الطريقة بالتفكير المطلق الذي
يتعامل بالتبسيط الساذج مع كل
المشاكل التي تعترض حركة الوصول نحو
الهدف، وذلك باعتبارها مشاكل بسيطة
يمكن للزمن أن يحلها، أو للأجواء
الشعبية الحماسية أن تخفف الكثير
منها. وهكذا يشعر السائرون في هذا
الاتجاه بأن المشروع لا يواجه أية
مشكلة، بل سرعان ما يواجهون كل علامات
الاستفهام التي يثيرها الآخرون حول
جدية المشروع وواقعيته، باعتبارها
لونا من ألوان التشاؤم أو الانهزامية،
أو الحالة العدوانية ضدهم. وربما
يتحرك هؤلاء بطريقة اندفاعية حماسية
من خلال الظروف القلقة التي تساعد على
هذا التحرك في نطاق المرحلة، فيحققون
نتائج كبيرة على مستوى المساحات
الواسعة التي يقطعونها، والنتائج
الإيجابية التي يحصلون عليها،
والأهداف المرحلية التي يحققونها،
فيغريهم ذلك بالاندفاع بشكل أكبر
لاعتبار أن ذلك يمثل البرهان على نجاح
الخطة وواقعية التجربة.. وقد يعتبرون
أن إثارات المثبطين لـم تنتج من حالة
واقعية شاملة، بل كانت منطلقة من
التربية التقليدية الهادئة التي
عاشها هؤلاء، فخُيِّل إليهم أنها
الطريقة الوحيدة للتحرك. وإذا وقعوا
في بعض المشاكل الصعبة أو واجهوا بعض
الهزائم، فإنهم يملكون لها تفسيرا
واحدا وهو الظروف الطارئة والقوى
الغاشمة التي لا يستطيعون مجابهتها
الآن، ولكنهم يستطيعون مجابهتها غدا
أو بعد غد. أما كيف ذلك؟ فإنهم يجيبون:
هذا ما يمكن أن نفكر به في المستقبل
لأن القضية هي أن تظل القافلة تسير،
وليس من المهم أن نفكر كيف تسير.
وقد
نجد من خصائص هذه الطريقة العمل على
إثارة الجماهير بالخطب الحماسية
والشعارات المثيرة والمهرجانات
الصاخبة، مما يجعلها تصفق لبلاغة هذا
الخطيب، وتهتف لحماس ذلك القائد...
وهكذا تبقى القضية لديهم هدفا يبحث عن
طريق، ودورا يبحث عن ساحة.
ثانيا:
الطريقة الواقعية:
وهي
الطريقة التي تواجه الهدف بمنطق
الواقع، فلكل ظاهرة أسبابها الكافية
في الواقع، ولكل واقع ظروفه المحدودة
بالزمان والمكان والأشخاص، ولكل هدف
وسائله ومراحله وآفاقه. ولذلك فإن
الذين يفكرون بهذه الطريقة يعملون
على دراسة المشروع من خلال معرفة
الأرض التي يقوم عليها، والشروط التي
ينبغي توفرها، والأشخاص الذين
يتحركون معه في الداخل والخارج،
والمشاكل التي تواجهه على جميع
المستويات، ثم يرسمون الخطة على أساس
ذلك، وتتقدم الخطة في بعض المراحل،
وتسقط في البعض الآخر؛ فلا يسقطون
أمام سقوطها، ولا يحاولون أن
يحمِّلوا الآخرين مسئولية السقوط، بل
يعملون على دراسة أسباب الفشل في
الواقع، ليعدّلوا الخطة ويطوروها
ليصلوا بها إلى النتائج العملية في
نهاية المطاف.
وتتميز
هذه الطريقة بالتأكيد على التحليل
الدقيق للأشياء والأشخاص والواقع،
ومواجهة الأخطاء بشجاعة، والبعد عن
أجواء الاستعراض وعن ذهنية التبسيط.
وعندما تفكر هذه الفئة الواقعية
بالحماس، فإنها تفكر به كجزء من الخطة،
لا كحالة مزاجية طارئة. وهكذا يملك
القائمون عليها وضوح الصورة، وواقعية
التفكير، بعيدا عن كل أجواء الأحلام
والسرعة والارتجال، وعن كل ألوان
التفسير الغيبي للأشياء، مما يوفر
لهم الكثير من الوعي، والصبر،
والهدوء، في مواجهة المشاكل
والتحديات، والشجاعة عند الوقوع في
الأخطاء، للاعتراف بها، ومواجهتها
بالمزيد من عمليات النقد والتصحيح.
هاتان
هما الطريقتان اللتان تحكمان الواقع
العملي للإنسان، فأين نحن منهما الآن
فيما نستهدفه من التفكير بالوحدة؟.
**
السيد محمد حسين فضل الله المرجع والمفكر الإسلامي المعروف، وهو لبناني نشأ في النجف، وتعلم فيها على يد والده، وعلى يد نخبة من علماء النجف من أشهرهم المرحوم الإمام الخوئي رحمة الله، له مجموعة من المؤلفات في الفكر الإسلامي، وفي الفقه الإسلامي. وله إسهامات عدة في مجال العمل الخيري والدعوي. |