آخر تحديث: الإثنين 21 محرم 1429 هـ

ابحث

 

 

 

جهاد أكبر


الحج طريق الوحدة

2005/01/08

الدكتور وهبة الزحيلي**

إن إيقاظ الجماعة من رقدتها وسباتها، وهز أركان البنى الاجتماعية الواهية أو تغييرها، ودحر فساد الحكم وعجزه عن طريق الثورات العالمية قد يرافقه أحيانا هدم وتخريب، ومن أجل إنجاح الثورة يفرض رجالها سلطانهم، ويعملون على تحقيق بعض أهدافهم بالعنف والبطش والجاسوسية الرهيبة؛ وهو ما يؤدي إلى تمزيق أوصال المجتمع، وخلق نوع من الكراهية الجديدة والحقد الدفين بين فئات الناس.

أما طريق الإسلام إذا هدف حماته إلى تحقيق أهداف الثورة الإصلاحية الدائمة، فهو فقط بتمثل معانيه الصافية، ووعي مقاصده الأصيلة، والتزام تطبيق تعاليمه وواجباته الرشيدة.

وفهم مقاصد الحج على نحو سليم يوحي لنا بكثير من العبر الخلاقة والقيم المبدعة في تجديد بنية الجماعة وتخريج الأجيال المتطلعة إلى مستقبل مشرق ونمط في الحياة أصلح وأفضل.

ومن أهم قوى الدفع نحو حياة جديدة للجماعة التخلص من أوزار الماضي، ونبذ كل عوامل التخلف والتجزئة أو التمزق والانقسام، وطريق ذلك في الإسلام هو الحج.

فالحج ذلك المؤتمر الإسلامي الأكبر الذي يتجدد في كل عام في أقدس بقاع الله في الأرض، طريق واضحة للوحدة والجامعة الإسلامية إذا شاء الحكام وساعدوا عليه واستغلوا إمكانياته وطاقاته الخيرة الكبرى؛ إذ هو العبادة الجماعية الحسية المتميزة في الإسلام بهذا الوصف، فمناسكه وشعائره كلها مفروضة الأداء بصفة جماعية في حد ذاتها، أو لأن وقتها محدود في أيام معلومة معينة، وهي قائمة أساسا على التجمع والتكتل والتعارف والتآلف، وكل جماعة تؤم البيت الحرام وتفيد من منجزات الحج تكون خير رسل لأقوامها تبلغهم ما يجب عليهم، وتبعثهم على إنجاز ما يلزم، ومع الزمن يتصل حبل الجماعة وتتضافر جهودها في بناء الوحدة والأجيال القادمة بتكرار مناسبات الحج كل عام...

وواضح أننا لا نجد لغير الحج من فرائض وعبادات الإسلام الأخرى هذه الصفة الجماعية الذاتية؛ لأن تلك العبادات يمكن القيام بها بصفة منفردة، وهي إما ذات نفع شخصي محض، أو ذات هدف اجتماعي على بقع ضيقة بدليل جعل الجماعة في الصلاة فرضا كفائيا في كل بلدة، وأن الزكاة لا يجوز نقلها إلى بلد آخر إلا في ظروف ما، وهذا لا عيب فيه؛ بل هو فضيلة لما فيه من تمتين بناء الجبهة الداخلية، وتكافل كل جماعة قليلة فيما بينها، باعتبار أنها أعرف بمناطق عيشها، وأهل موطنها، مما يدعو إلى اتحاد الجماعات الصغرى، واجتماع كلمتها، ووقوفها صفا واحدا إزاء مصالحها المشتركة، وتوثيق عرى التآلف وتبادل المحبة والإخاء بين أفرادها، كما يحصل ذلك -أيضا- في أداء صلاة الجمعة والعيدين.

حقيقة الحج وأثره التجديدي

لقد أبان العلامة الدهلوي في "حجة الله البالغة" حقيقة الحج وأثره التجديدي في المجتمع فقال: اعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان يذكر حال المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، ومكان فيه آيات بينات قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين لشعائر الله متضرعين راغبين ورادين من الله الخير وتكفير الخطايا، فإن الهمم إذا اجتمعت بهذه الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة... الحديث، ثم قال: "وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة -أي اختيار- بعد كل مدة يتميز الناصح من الغاش، والمنقاد من المتمرد، وليرتفع الصيت وتعلو الكلمة، ويتعارف أهلها فيما بينهم، كذلك الملة تحتاج إلى حج ليتميز المؤمن من المنافق، وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجا، وليرى بعضهم بعضا، فيستفيد كل واحد ما ليس عنده، إذ الرغائب إنما تكتسب بالمصاحبة والترائي...".

والمكاسب الجماعية التي تتحقق بالحج متعددة متنوعة منها سياسي ومنها اقتصادي، فبالمجتمع المنظم وبتمثل وإدراك غايات الحج يلتقي المسلمون على منهج واحد، وخطة عمل موحدة، ويقيمون دولة واحدة وإن تفرقت الحدود. وبالتعارف والتآلف تتعرف الشعوب حاجات بعضها وموارد وإنتاج بلدانها، بالإضافة إلى ما تقوم به السفارات والقنصليات الحديثة والوفود الاقتصادية من دور وخدمة رسمية في هذا الشأن، وبالاجتماع في صعيد الحج يستنصر الضعيف بالقوي، ويستعين صاحب الخطر الداهم بالبعيد عنه لدفع الأخطار وصد العدوان والضغط على الحكام المحليين إذا تراخوا وقصروا في القيام بواجبهم العام نحو إخوانهم المهدد وجودهم أو مصالحهم. وبذلك تتضح صور المواقف جلية وتنجلي الرؤى التي قد تشوهها أو تزيفها أو تسكت عنها وسائل الإعلام الحديثة.

عندما يتقوقع الدين في زاوية!

بما سبق يتوصل المسلمون إلى الظفر بمقاصد الحج الحقيقية؛ إذ إن العبادة في الإسلام ليست مقصودة لذاتها، وإنما بما يترتب عليها من ثمار ومنافع اجتماعية باعتبارها وسيلة إصلاحية تربوية ناجعة لمن يدرك معناها ويحظى بمغزاها الأصيل.

ومن ثم لا نريد أن يتقوقع الإسلام في زاوية ومفهوم العبادة المحضة، وترك جوانبها النافعة بين أبناء المجتمع؛ فالهدف الأول بجعل الإسلام رهين المسجد أو المنزل أو القلب هو غرض العدو، والهدف الثاني بمد أثر العبادة إلى المجتمع هو لب الإسلام وسمته وقصده الصحيح، ومن المؤسف أن الأعداء استطاعوا غزو المجتمع الإسلامي وروجوا لهدفهم الأول، وشلوا أو عطلوا فاعلية الحج وغيره في إصلاح الأخلاق والمعاملات وتأييد التجمع الإسلامي.

أهداف الحج الجماعية

تتجلى أهداف الحج الجماعية من وجوه مختلفة في التشريع الإسلامي، وأخصها بناء الوحدة الإسلامية: ففي أصل إيجاب الحج خاطب الحق تبارك وتعالى المكلفين بعبارة "الناس" التي هي أعم من عبارة "يا أيها الذين آمنوا" التي يغلب استعمالها في المطالبة بأداء العبادات، فقال سبحانه: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ}، {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} وكان نداء إبراهيم عليه السلام تنفيذا لهذا الأمر الإلهي: "يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا، فحجوه، فيقال أجابه الجبال والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك" مما يدل على معاني الشمول والإحاطة في أصل مفهوم الحج، وما أجمل تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بوصف الحجاج أنهم وفد الله حيث قال: "الحجاج والعمار وفد الله، إن دعوه أجابهم، وإن استغفروه غفر لهم" والوفد في اللغة: الجماعة المختارة لشأن مهم، وليس هناك أهم شأنا من العمل على توحيد الصف الإسلامي، وفي سبيل ذلك وردت أحاديث نبوية كثيرة ترغب في الحج وتبين فضله، وأنه يلي مرتبة الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله: "من حج فلم يرفث، ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".

وقد ذكرت أحكام الحج في سورة البقرة بعد أحكام القتال في سبيل الله باعتبار أن الجهاد طريق تكوين الجماعة وبناء كيانها وحفظ وجودها.

وأما الحج فهو سبيل توحيد الأمة ولمِّ أشتاتها وجمع كلمتها واتجاهها نحو غاية واحدة، وبعدئذ أعقب الله تعالى ذكر النفاق وعلامات المنافقين تحذيرا من خطر التجرؤ والتفرقة والدسائس؛ إذ ليس هناك كالنفاق أعظم تهديما منه لصرح بنيان الجماعة وتقويض شوكتها، وبعثرة جهودها. وعرقلة سيرها نحو سمو الهدف المنشود، والحج طريق نبذ المنافقين والمثبطين المعوقين لإقامة الوحدة بين المسلمين.

القلوب المترددة!

لقد خالج الشك بعض الناس بقيمة الوحدة، وانتابتهم مخاوف الحفاظ على مصالحهم الشخصية، لكن الإسلام يطمئن تلك القلوب المترددة بأن مبدأ الإسلام وشعاره هو المساواة بين جميع الناس، والحج يترجم ذلك المبدأ إلى واقع عملي، حيث يتمثل الحاج أنه بزيارته لبيت الله تعالى مقبل على الله سبحانه قاصد له، فيتجرد عن عاداته وينسلخ من مفاخره ومميزاته على غيره، ويخلع كل مظاهر الدنيا ومفاتنها، فيتساوى الغني مع الفقير، ويتماثل الدنيّ مع الأمير، الكل عبيد لله، وإخوة متحابون في سبيل الله، وكان ذلك المعنى هو أبرز ما في خطبة الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع في الثاني من أيام التشريق: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".

وبما أن تنظيم الجماعة سياسيا واقتصاديا ودفاعيا وبناء الوحدة الإسلامية لا بد له من جو يسوده الاستقرار والطمأنينة كان مكان الحج وزمانه الحرمة والجلال، وكان موسم الحج عيدا أكبر للمسلمين، ففي جعل الحرم أمنا وقصر دخوله على المسلمين، وفي إيقاع الحج في الأشهر الحرم إعلان لمبدأ الحرية والسلام، وإكبار لشأنهما، وتمكين من ممارستهما دون تخوف من سلطان جائر أو حاكم ظالم أو مفسد عات.

إشارات نصية مهمة

إن في أجواء الحرية والسلام والمساواة بحق تنبت الأفكار الصالحة، وتتهيأ الخطط الملائمة، وتتضح معالم الشخصية الإسلامية الذاتية التي تريد الاستقلال والوحدة والتقدم وإقامة العدالة الشاملة في شئون الحياة، وأخصها الاستفادة من منتجات البلاد وعطاء الله الخير: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا}، أي إن جميع ما في الكون مخصص للناس على جهة الانتفاع المشاع، دون استئثار ولا احتكار ولا استغلال.

وحيثما تقلب الحاج لأداء مناسك الحج يجد لفتة قرآنية إلى ضرورة التآخي والتعاون وتغيير مفاسد المجتمع وتجديد شباب الحياة وقلب الأوضاع الاجتماعية بأعدل الوسائل وأكرم الغايات، ففي قوله تعالى بعد ذكر بعض أحكام الحج: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ} حث على فعل الخير والتزود من التقوى، والخير اسم جامع لكل الفضائل الاجتماعية، والتقوى التي هي التزام الأوامر والنواهي الإلهية عنوان بارز على التقيد بآداب المجتمع كما حددها الله، ومن أولى الأوامر وأهمها المطالبة بوحدة الجماعة الإسلامية ودعمها: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}، {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.

وفي قوله سبحانه: {فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} دلالة على أهمية النتائج المستفادة من الحج، وإدامة تذكر المطالب والمقاصد الربانية والتزام الأوامر العامة إثر التفرق في أرض الله، ومن أوجبها قوة الإحساس بمشاعر الأخوة، وعواطف الإيمان، وتقوية الوحدة، وإحكام روابطها الأساسية: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، ومن المعروف أن سبب نزول آية الأمر بذكر الله يوحي بضرورة التجمع على أساس الصالح العام، فقد كان أهل الجاهلية يقفون في مجامعهم في الموسم، فيفاخرون فيها بآبائهم، ويذكرون أنسابهم وفعال آبائهم ونحو ذلك مما لا نفع فيه.

وليس في الدعوة إلى الاتحاد بين المسلمين هدف سوى قوة الجماعة ورهبة جانبها وتحقيق الخير والنفع الكبير لهم في الدنيا والآخرة، وهذا هو شعار الحجاج المؤمنين البررة: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ}.

يبدو لنا من كل هذه الإشارات النصية أن العبادة -لا سيما الحج- لا تقصد لذاتها كما أشرنا، وإنما لما تتمخض عنه أو تهدف إليه من إصلاح عام، أو خير جماعي شامل، وأما الأحاديث المرغبة في الحج فهي لبعث الهمم وشحذ العزائم باعتبار أن الإنسان لا يقدم على فعل شيء غالبا إلا إذا كان منساقا بغايات نفعية خاصة، وهذا لا ننكره عملا بمقتضى الأحاديث المقررة للثواب العظيم لمن بر في حجه.

ولكن لا يصح الاكتفاء بالثمار الخاصة للحج، وإنما لا بد من تمثل الأهداف البعيدة التي يرمي إليها المشرع من وراء أداء شعائر الحج وتعظيم حرماته وإطعام المحتاجين والإنفاق في سبيل الله، وهذا ما يميز الغرض من فريضة الحج في الإسلام عن غيره من الديانات كاليهودية والمسيحية والبوذية مثلا التي تقصر معنى الحج على التقديس والتبريك والتطهر من الذنوب والخطايا، أي إنه مجرد عبادة شخصية؛ ولذا فلم تثر اهتمام المستعمرين الغربيين بشأن الحج، وحاولوا -كما أبنت في فاتحة مقالي- عزل الحجاج عن الاهتمام بالمصالح العامة، وقصر نشاطهم على العبادة المحضة والتزويد منها للآخرة، وترك قضايا الدنيا لأهلها وللحكام فيها، وفي ذلك البيان المبين؟!.

ولعل ذلك هو السبب -بالإضافة إلى جهل الحجاج وعدم إدراكهم مغزى الحج- في أن الحاج الواعي يؤوب إلى بلده يائسا أو آسفا على عدم الإفادة من طاقات هذه الجموع المؤمنة الغفيرة في مضمار الحياة العامة وقضايا الإسلام الكبرى ومصير المسلمين، وقد بدت بوارق أمل باسمة وصيحات إسلامية واعية بضرورة الاستفادة من موسم الحج وعقد المؤتمرات إسلامية متكررة، لكننا مع الأسف لم نجد للآن صدى وتجاوبا صادقا في تنفيذ مقررات تلك المؤتمرات، مما يؤكد ما ندعو إليه من أن الحكام هم المسئولون عن توحيد روابط المسلمين في العصر الحاضر مع جهد الأفراد الصفوة الثقات.


** أ. د الدكتور وهبة الزحيلي رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه بكلية الشريعة بجامعة دمشق، خبير في مجمع الفقه الإسلامي بجدة والمجمع الفقهي بمكة المكرمة، ومجمع الفقه الإسلامي في الهند وأمريكا والسودان.

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع