آخر تحديث: الإثنين 21 محرم 1429 هـ

ابحث

 

 

 

سرج ورحل


!!حجاج غزة.. طواف حول المعابر المغلقة

2007/11/28

غزة - علا عطا الله:

"لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك" كطفل يتعلم الهجاء الكلمات تُرددها شفاهم بكامل شوق ولهفة، وعيونهم تفيض دمعًا تحلم بذنب مغفور، وقلوبهم تسافر إلى البيت العتيق تقبّل الحجر الأسود، تصلي وتطوف.. تجلس في الروضة وتهتف بخشوع على جبل عرفة...

حجاج غزة أطلقوا العنان لخيالاتهم لكثير من الأمنيات والصور الجميلة غير أن طرقات الواقع أيقظتهم: "ثمة أحزان لن تروق لكم.. فأجِّلوا أحلامكم".

ويومًا بعد يوم وكلما بدأت أوراق ذي القعدة تتساقط تُعلن قدوم شهر الحج يضع حُجاج القطاع أيديهم على قلوبهم، وتزداد مُعدلات قلقهم ونبضات ترقبهم؛ خوفًا من ضياع أمنية العُمر التي انتظروها بفارغ حنين.

من أمامهم معبر حدودي مغلق هو منفذهم البري الوحيد للسفر إلى الخارج يرفض الاحتلال فتحه لتبقى أمانيهم مسجونة حتى إشعار آخر, ومن خلفهم مناكفات سياسية وانقسام يجرهم إلى معبر مُروره قد يُكلّف الكثير منهم حياته وعُمره، فثمة احتلال لا يرحم وزنازين تنتظر رائحة الفلسطينيين.

السفر بكرامة

وما بين معبر رفح الموصدة أبوابه ومعبر بيت حانون "إيرز" الخاضع للسيطرة الإسرائيلية، والمُلقب بـ"المصيدة"؛ لتعرض المارين منه للاعتقـال يخشى أكثـر من ألفي حاج غزّي فشل موسم الحج لهذا العام، ويرتجفون رعبًا من تكرار سيناريو فشل موسم العمرة في شهر رمضان الماضي؛ إذ لم يتمكن أهالي غزة من أداء العمرة؛ بسبب إغلاق معابر القطاع والتجاذبات السياسية بين حكومة رام الله التي شكلها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعد سيطرة حركة حماس على القطاع في منتصف يونيو الماضي وحكومة غزة.

بصوت بدأت نبراته تشعر بأن القادم لا يحمل في جعبته الفرح خرجت كلمات "غالية عابد" 54 عامًا حزينة مُبللة بالخوف: "للمرة الأولى سأخـرج في حياتي للحج.. وكم تهيأت لهذه المناسبة وانتظرتها بفارغ صبر.. وها هي الأخبار تصدمنا...".

واستدركت بألم تُواصل بث شكواها لـ"إسلام أون لاين.نت": "ما ذنبنا أن نقع ضحايا للخلاف السياسي والانقسام الداخلي... هل ستفوت علينا الفرصة وننعى آمالنا؟".

وفي حال إذا سمحت إسرائيل لحجاج غزة بالسفر من خلال معبر بيت حانون شمال غزة أكدت "غالية" أنها لن تمر من هناك: "نريد السفر بكرامة وراحة عن طريق رفح الحدودي.. من ذاك المعبر سنتجرع التعب والمهانة والذل... الشباب يعانون فكيف بنا.. ثم إن الحديث يدور عن أجواء حج وليس سفرًا عاديًّا".

سأقرأ الفاتحة.. على حُلمي

أمارات القلق كانت مرسومة على آلاف الحجاج إلا أن خطوطها بدت واضحة ومحفورة تقـول "أنا هنا" على كبار السن الذين سيخرجون للحج للمرة الأولى في حياتهم، ويخشون أن تنقضي أعمارهم دون معانقة هذه الجائزة.

"ياسر مقاط" بلغ من العُمر عتيًّا انتابته موجات السـرور حين قرأ اسمه على لائحة المقبولين للحج هذا العام، ولكن جاءت رياح الواقع بما لا تشتهيه سفنه: "إذا بقي معبر رفح مُغلقًا ورفض الاحتلال إدخالنا عن طريق بيت حانون فإنني سأقرأ الفاتحة على حُلمي".

وأشار إلى جسده المُثقل بالأمراض والتعب متسائلاً بحرقة: "هل أضمن عُمري حتى العام القادم؟!.. إنها مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى".

ورفض أشرف الخالدي الامتثال لواقع يشي بأن الحج هذا العام بات في حكم "المُلغى"، وبنبرات غاضبة مضى يقول: "يجب أن يجدوا لنا طريقة لكي نسافر... فليبعدوا الحج عن مناكفاتهم السياسية وخلافاتهم...".

وتتهم حكومة غزة حكومة رام الله بالإصرار على إغلاق المعابر في وجه الحجاج كما حدث في موسم العمرة، ورفضها التعامل مع حجاج القرعة -التي تجريها وزارة الأوقاف في القطاع- البالغ عددهم 2200 حاج، وكذلك رفض جميع الاقتراحات لتجنيب موسم الحج الصراعات السياسية، فيما تتهم حكومة رام الله حركة حماس بأنها وراء إمكانية فشل موسم الحج في غزة؛ بسبب سيطرتها على القطاع.

احتلال ظالم.. وعالم صامت

"أعد الأعوام والشهور والساعات.. أحلم بأن أقف على جبل عرفة... أناجي الله وأدعوه.. لكن واحسرتاه يبدو أننا سنضطر إلى الطواف حول المعابر المُغلقة". بصوت البكاء بدأ وليد أبو كميل حديثه لنا وتابع: "محرمون من الحياة.. محاصرون من جميع الجهات... والآن يُحاصرون شعائرنا الدينية ويقتلون أمنياتنا..".

وناشد أبو كميل أحرار العالم والضمائر الحية بالضغط؛ كي تُفتح المعابر أمام أحلامهم التي انتظروها عمرًا بأكمله.

حان وقت ذهابها إلى الحج واستعدت بكامل فرح لاستقباله غيـر أن عقارب الانتظار المُحملة برائحة الخوف بدأت تُنغص حياتها وأملها، وبصـوت الرجاء قالت فوزية مطر: "حرامٌ أن يسرقوا فرحتنا.. نريد زيارة الكعبة المشرفة وقبر الرسول صلى الله عليه وسلم.. والدعاء والبكاء.. ولكن ماذا نقول في احتلال ظالم وعالم صامت".

حجاج غزة أجمعوا في أحاديثهم لـ"إسلام أون لاين.نت" أن أقصى أمنياتهم مُغادرة غزة في أجواء سفر مريحة تُناسب ظروفهم، وأن يسافروا عن طريق معبر رفح، ومن ثَم لمطار العريش متوجهين جوًّا للمدينة المنورة كما في السنوات الماضية.

حرام شرعًا

يوسف المنسي وزير الأوقاف في حكومة هنية أبدى ثقته في الحكومة السعودية بأنها لن تقبل على الإطلاق بحرمان أهل غزة من حقهم في تأدية فريضة الحج, ودعا الجميع إلى سرعة التحرك في هذا الملف من أجل تسهيل حج سكان غـزة.

كما ناشد المنسي الحكومة المصرية على العمل بشكل دءوب؛ لفتح معبر رفح الحدودي المتنفس الوحيد لأهالي القطاع, معربًا عن أمله في أن تستجيب الحكومة المصرية لهذه المطالب العادلة والتي ستكون سببًا في رفع الحصار الظالم عن أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.

"حسام الدين عفانة" أستاذ الشريعة في جامعة القدس بمدينة القدس المحتلة شدّد على أن منع المسلمين من أداء فريضة الحج حرام شرعًا، وقال لـ"إسلام أون لاين.نت": "من الناحية الشرعية لا يجوز تعريض الحجاج للمنع من الحج بسبب المناكفات السياسية، ولا يجوز شرعًا لأي إنسان أن يساهم في منع الحاج من أداء الفريضة".

وأضاف: "يجب أن يحل هذا الموضوع بما فيه مصلحة الحجاج، ولا يصح أن يكون هناك منع لهم من أداء الفريضة التي أوجبها الله تعالى".

سابقة تاريخية

"عدنان أبو عامر" الخبير والمحلل السياسي الفلسطيني اعتبر في حديثه لـ"إسلام أون لاين.نت" أن الخلافات السياسية عندما تطفو إلى السطح بشكل واضح تنتفي معها أي قيمة للأخلاق والقيم الدينية والاجتماعية والحضارية. ولفت إلى أن هذا الخلاف كان واضحًا من البداية أنه خلاف سياسي بالأساس، "وكل طرف يحاول أن يحقق نقاطًا سياسية على حساب الطرف الآخر والذي ذهب ضحية لهذا الصراع هو المواطن الفلسطيني".

وأضاف: "هذا الخلاف لم يكن مستغربًا أن تصل ذروته إلى إلغاء موسم الحج في ظل الاشتراطات المتبادلة من قبل الطرفين، على الحجاج المنتظرين موسمهم في قطاع غزة".

ولفت أبو عامر إلى أن التاريخ الفلسطيني الحديث ومنذ الاحتلال اليهودي لفلسطين عام 1948 لم يشهد إلغاء تامًّا لموسم الحج، باستثناء منع قوات الاحتلال بعض الحجاج الذين لهم إشكالات أمنية مع الاحتلال أو لهم علاقة بالمقاومة "أما أن يُلغى موسم الحج بالكامل فهذا لم يحدث".

وقال "نحن -الفلسطينيين- لم نشهد خلافًا سياسيًّا وصل إلى هذه الذروة كما نشهده هذه الأيام"، وأضاف: "إذا كان إلغاء موسم الحج سيكون سابقة تاريخية فإن هناك سابقة تاريخية أقسى تتعلق بوجود انفصال سياسي بين الضفة الغربية وغزة لم تشهده الأراضي الفلسطينية من قبل، وبالتالي إلغاء موسم الحج يأتي نتيجة لسبب أهم وأقسى وهو الانفصال السياسي".

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع