وذكريات لا تنسى في الحج

 

الحج رحلة متفردة بما فيه من أجواء روحانية خاصة، ومشاعر وأحاسيس ومواقف يصعب على الإنسان أن ينساها مهما مرت عليه السنوات وتزاحمت عليه الذكريات، الدكتورة هاجر سعد الدين رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق، وصاحبة البرامج الإذاعية الشهيرة؛ تخص إسلام أو لاين بتلك الذكريات الخاصة برحلتها للحج والتي كان معها هذا اللقاء...

فرحة لا حدود لها

* كم مرة قامت الإذاعية الشهيرة هاجر سعد الدين بأداء الفريضة؟ ومتى كانت المرة الأولى للتأدية فريضة الحج؟

قمت بأداء فريضة الحج مرة واحدة، ولم أتمكن من تكرارها؛ بسبب مسئولياتي تجاه أبنائي وزوجي وبيتي، وخاصة عندما تُوفِّي زوجي رحمه الله، وكانت تلك المرة عام 1972 وضمن صحبة آمنة كنت وقتها قد تخرجت في كلية البنات جامعة الأزهر والتحقت بالعمل الإذاعي، وكان أبي -رحمه الله- يجعل مكافأة التخرج من الجامعة لي ولأشقائي هي الذهاب للحج، فلقد كان دائم الحرص على حثنا على فعل كل ما يقربنا من المولى عز وجل، ولقد اشتركت على نفقة أبي في رحلة للإذاعة كانت مسافرة للحج، وكانت تكلفة الحج في هذا الوقت لا تتعدى 82 جنيهًا فقط، وكانت الرحلة يرأسها الإعلامي القدير الأستاذ أحمد فراج -رحمه الله-، وحقًّا كانت فرحة لا حدود لها تقطن جنبات قلبي ونفسي طوال تلك الرحلة، كنت أبكي بكاء حارًّا جدًّا طوال تأدية المناسك، من حجم الخشية والخشوع الذي كان يسيطر على كياني؛ لدرجة أن إحدى المرافقات قالت لي ماذا فعلتِ في مصر تبكي عليه كل هذا البكاء، والله يعلم أن بكائي كان سرّه شعوري بالخشوع لا ندمًا على معصية كبيرة ارتكبتها والحمد لله، فلقد نشأت في أسرة متدنية تتقي المولى عز وجل، وتراقبه في كل عمل وقول تقوم به.

موقف لا أنساه

مما لا شك فيه أن للحج ذكريات لا تنسى لكل من قام به، لكن هناك ذكرى معينة تظل هي الأقرب من عقل ووجدان الإنسان.. ترى ما هي تلك الذكرى التي تحتفظين بها في عقلك ووجدانك حتى الآن؟

هناك ذكرى لا تستطيع السنوات أن تؤثر إطلاقًا في شدة تأثري وانفعالي بها، فقد كانت أمي -رحمها الله- تحج معي في نفس العام، لكن ضمن رحلة أخرى، وكنا قد اتفقنا أن نتقابل في الروضة الشريفة، حيث كنت أعتقد أن الروضة مكان صغير وبسهولة سأجدها به، ولقد أخذت أبحث عنها يومًا كاملاً لكن دون جدوى، وفقدت الأمل في العثور عليها وشعرت بحزن شديد؛ لأني لن أرى أمي أثناء الحج، وذهبت لقبر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أبكي، وأخذت أدعو الله أن يجمعني بها، وإذ بيد تربت على كتفي كانت يد أمي.

تقابلنا أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحت في بكاء شديد من فرط فرحتي وسعادتي بلقاء أمي وباستجابة الله لدعائي، وشعرت أن استجابة رب العزة كانت سريعة جدًّا، وشعرت وكأن رسول صلى الله عليه وسلم يقول لي: لا تحزني وأنت في جواري، بعد ذلك كنت أقابل أمي كل يوم ونفترق في المساء، حيث يذهب كل منا إلى مكان إقامته.. وهذا الموقف لا أستطيع أن أنساه أبدًا، وكلما تذكرته رحت في بكاء شديد.

أنا وابن الخطاب

حصلت الدكتورة هاجر على رسالة الماجستير في فقه عمر بن الخطاب، وأثناء الحج كان لك موقف معه.. هل لك أن تطلعينا عليه؟

عمر بن الخطاب رضي الله عنه شخصية مؤثرة جدًّا في حياتي، وأثناء قيامي بتولي منصب رئاسة إذاعة القرآن الكريم كنت أضع نصب عيني وفي كل تعاملاتي مع العاملين معي عدله وتحمله المسئولية وحبه للناس؛ ولذلك وفقني المولى عز وجل في أداء تلك المهمة الصعبة، وقد كنت قبل السفر لرحلة الحج قد بدأت إعداد رسالة الماجستير في فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهناك أمام قبره وأثناء وقوفي شعرت أن الفاصل الزمني بيني وبين عهده لا وجود له، وأني أعيش معه لحظة إعلانه إسلامه والتي كانت في السنة السادسة من البعثة النبوية المشرفة، وكيف ظهر الإسلام في مكة بإسلامه عندما قال للرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون في دار الأرقم: (والذي بعثك بالحق لتخرجن ولنخرجن معك)، وخرج المسلمون ودخلوا المسجد الحرام ووصلوا حول الكعبة دون أن تجـرؤ قريش على اعتراضهم أو منعهم؛ لذلك سماه الرسول صلى الله عليه وسلم (الفاروق)؛ لأن الله فرق به بين الحق والباطل، تذكرت شجاعته وهيبته وكيف أعلن خروجه للهجرة وقوله متحديًا لقريش: (من أراد أن تثكله أمه وييتم ولده وترمل زوجته فليلقني وراء هذا الوادي) فلم يجرؤ أحد على الوقوف في وجهه بينما كان المسلمون يخرجون سرًّا خوفًا من بطش أعداء الله. عشت تلك الأحداث وأنا أمام قبره وأعطيته عهدًا بأن أكمل رسالتي في فقهه وقد كان. وحين تركت عهد عمر وعدت لعهدنا نظرت إلى الحجيج وشعرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجود بيننا يتفاخر بنا، وكيف أننا في بداية الدعوة كنا صفين فقط بقيادة عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما، واليوم لا حصر لنا والحمد لله.

شخصية السيدة هاجر

بعد العودة من عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه هل تكرر معك الانفصال عن الزمن والعودة إلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أثناء تأدية المناسك مرة أخرى؟

بالفعل حدث ذلك مرة أخرى، لكن في تلك المرة لم أعد لعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إلى ما قبل البعثة المحمدية، لقد عدت إلى عهد نبي الله إبراهيم عليه السلام، ففي أثناء قيامي بالسعي بين الصفا والمروة كنت مستحضرة تمامًا شخصية السيدة هاجرة زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام والتي أطلق أبي عليّ اسمها، وكان دائمًا ما يقول أسأل الله أن يكون لك من اسمها نصيب، وأن يكون لك دور في خدمة دينك مثلها، تذكرت سعيها وقصة ماء زمام وسيدنا إسماعيل عليه السلام، ولم أكن أشعر على الإطلاق بعامل الزمن. وأذكر أنه عندما كنت أشعر بالتعب من كثرة السير والطواف، كنت أقوم بعمل مساج رائع فقد كانت أرضية الكعبة مفروشة بقطع الزلط الناعم المتماسك، فكنت أقوم بتحريك قدميّ وتدليكهما بتلك القطع فأشعر براحة كبيرة.

النظر للكعبة عباد

*الحج رحلة تأمل وتدبر لآيات الله وهناك أشياء قد تستوقف المسلم أثناء تلك الرحلة المقدسة.. هل هناك أمور معينة استوقفتك بالفعل؟

حدث ذلك معي في أمرين الأول: كان بيت الله الحرام يستوقفني كثيرًا وكنت أطيل النظر إلى الكعبة، وتأخذني حالة إيمانية رائعة وأنا أقوم بذلك، وكنت أشعر أن النظر إليها عبادة، وقد كنت أعشق أن أنظر إلى وجه أبي وبداخلي إحساس أن النظر إليه هو أيضًا عبادة ونفس الأمر مع أمي، ولقد اكتشفت بعد ذلك وجود حديث يؤكد أن النظر إلى الكعبة وإلى الأب وإلى الأم هو بالفعل عبادة.

الأمر الثاني الذي استوقفني وأخذت أفكر فيه: كنت قد قرأت في أيام الدراسة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وكان يراوح بين القدمين من التعب والإجهاد، وكنت لا أنكر ذلك، لكني كنت أندهش وأتعجب كيف كانت قدماه الشريفة صلى الله عليه وسلم تتورمان من الصلاة كم كان يصلي حتى يحدث ذلك؟! وأثناء الحج ومن كثرة صلاتي وتعبدي فوجئت بقدميّ تتورمان، حيث كنت لا أغادر المسجد الحرام إلا للضرورة القصوى، وكنت أكتفي بتناولي وجبات خفيفة جدًّا وأكل حبات اللوز التي أحبها؛ لتمنحني الطاقة اللازمة للصلاة والسعي والطواف، وفي هذا الموقف أحسست أن الرسول صلى الله عيه وسلم يذكرني بما كنت أقرؤه في الجامعة وأتعجب منه، حقًّا كنت أشعر بمرافقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لنا في كل خطوات حجنا.

مواقف أحزنتني

** هل رصدت عين الإعلامية هاجر سعد الدين أمورًا كان يجب ألا تكون موجودة، واستنكرت حدوثها في موسم الحج؟

بالفعل كانت هناك مواقف استنكرت حدوثها في موسم الحج، فداخل المسجد النبوي كان هناك طفل صغير يمر بيننا وأثناء ذلك سقط دون قصد على إحدى السيدات، فإذا به تعنفه بشدة وقسوة، الموقف الآخر كنت أسير في طريقي للمسجد النبوي وكنت أهيم في ملكوت الله أتدبر آياته، ودون أن أشعر دخلت في صفوف الرجال، وإذا برجل غير عربي يوجه لي ضربة قوية ويدفعني بغلظة!!

وكان التعامل بغلظة من قبل بعض الحجاج غير العرب لغيرهم أثناء أداء المناسك أمر ملاحظ، أمر آخر أحزنني فقد صاحت إحدى السيدات في مرة قائلة وبطريقة غير مناسبة: إن وجهك كله إشراق وصفاء ولا يبدو عليك أي إجهاد أو تعب مثلنا، وفي اليوم التالي مباشرة أصبت بمغص كلوي شديد.

والحقيقة أن تلك المواقف أحزنتني فهي لا تتناسب بأي حال من الأحوال مع الجو الروحاني الذي يغمر كل الأماكن المقدسة، ولا مع الهدف الذي ذهبنا من أجله إلى هناك، إن الحج يرقق المشاعر ويسمو بالعواطف الإنسانية، ولا تتماشى الغلظة والشدة معه ولا الحقد والحسد.

دعاء يوم عرفة

*(الحج عرفة) ويوم عرفة يكثر المسلمون سواء كانوا في الحج أو لا من الدعاء، فما هي ذكرياتك مع هذا اليوم؟ وبماذا كنت تدعين؟

في يوم عرفة وأثناء توجهي إلى جبل الرحمة فإذا بسيدة ثقيلة الوزن جدًّا تمسك بذراعي وتلجأ إليّ كي أعينها على السير، وحدثت نفسي بأنه لعلّ الله تعالى قد ساقها إليّ كي أساعدها وأسهل عليها، وتجد أمي هي الأخرى من يفعل معها نفس الأمر.

وكنت أكثر في يوم عرفة من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، وكنت أكثر من الدعاء لأبي ولأمي -رحمهما الله- وإلى أشقائي، وكنت أسأل الله سبحانه الخير للمسلمين جميعًا والعزة والرفعة لأمتنا.

توديع الحبيب

وماذا عن مشاعرك عند انتهاء تأدية مناسك الحج، ومفارقة بلد الحبيب المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعودة إلى مصر؟

انتهت مناسك الحج وحان موعد فراق الأراضي المقدسة، ووداع الحبيب المصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم، والحقيقة أنه رغم حزني الشديد لهذا الفراق فقد كنت أشعر بالحنين لتراب مصر، ولأمي ولأبي وأشقائي فقد كانت المرة الأولى التي أسافر فيها للخارج، وأذكر أن الناس في الماضي كانت لا تذهب للحج إلا في الأعوام الأخيرة من عمرها بعكس ما يحدث الآن، الأمر الذي جعل موظف المطار في السعودية يقول لي عند عودتي: (إني فخور أن فتاة في سنك تأتي للحج وحقيبتها غير محملة بالأشياء التي يحرص بعض النساء على العودة بها من هنا، حيث يجعلن جزءًا من رحلة الحج للتسوق وليست رحلتهن خالصة للحج كما فعلت)، مما جعلني أسأل الله أن تكون حجتي كذلك.


** صحفية مصرية

مناسك وأفئدة

قلوب مشتاقة

الحج التفاعلي

الرئيسية

السنوات الماضية

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع