|
زرت مكة المكرمة العام قبل
الماضي، إذ كنت واحدا من الحشد المتحرك
الذي يجتمع كل عام لغرض الحج، ومثل أي شخص
عاد من الحج يجب أن أشعر بالابتهاج الشديد
لولادتي الجديدة، ولمسح كل ذنوبي.
وجاء الأصدقاء لتهنئتي، حيث
أرادوا أن يشاركوني عبر الاستماع
لتجربتي، ابتسمت وقلت لهم: إن الرحلة كانت
جيدة، ولم أستطع أن أخبرهم أن التجربة
تركتني مثقل القلب ومشوشا، هناك وبين
مسلمي العالم شعرت بأنني قُبلت بدون شروط.
أنا أمريكي هاجرت في سن
الثانية مع أسرتي من العراق إلى الولايات
المتحدة، هذا كان قبل 33 سنة، وكنت صغيرا
جدا حينما غادرنا بغداد؛ لذلك فإن ثقافتي
ووطني وإحساسي بنفسي جميعها أمريكية،
وهذا لم يكن -مثلما أدركت بعد فترة قصيرة
من بدء الحج- أمرا محببا للبعض من القادمين
لأداء الحج.
بتبادل عبارة: «السلام عليكم»
مع الرجل الواقف بجانبي، ومع المرأة التي
كانت تبيع مسابح، ومع الصبي الذي كان يوزع
جرعات من ماء زمزم، بدا لي في البدء كأنهم
أصبحوا جزءا مني، كأنهم جيران أو أبناء
عم، أو كأن حنفية فُتحت بالكامل من مشاعر
الألفة.
لكنني حينما كنت أتجول في
الأسواق التي تضم كل أنواع السلع من
السجاجيد والجلابيب إلى السجائر والهواتف
الخلوية، حاولت التحدث مع الآخرين
بالإنجليزية وبعربية ركيكة، فجاء السؤال
المتوقع: «من أين أنت»؟
آنذاك عرفت أن قبولي لم يكن
بدون شروط، إذ كان هناك شرط واحد هو ألا
أكون أمريكيا، بغضّ النظر عن الشخص الذي
أتحدث معه، سواء كان مغربيا أو نيجيريا أو
تركيا أو كويتيا أو فلبينيا أو
أوزبكستانيا، رجلا كان أم امرأة، شيخا أم
فتى، متعلما أم جاهلا.
ما إن كنت أقول لشخص: إنني
أمريكي حتى يعبس ذلك الشخص، ويبدأ بترديد
الأدعية ضد الولايات المتحدة وشرورها، من
جشع ولاأخلاقية يتميز بهما سكانها، إلى
غرور ونفاق تتميز بهما سياستها الخارجية،
وسياسة الرئيس بوش المعادية للإسلام.
أين الأخوة؟
حينما توجهت إلى مكة
المكرمة، كنت أظن أن كل الشكوك وعدم الثقة
والقوميات ستُترك جانبا، وأن روح الأخوة
ستحل محل كل المظالم الدولية، كنت أظن
أننا كمسلمين سنقف أمام الله على أساس
واحد، لا كشعوب ينظر كل طرف منا إلى الآخر
من خلال سياسات حكوماتها.
عدت إلى المعسكر الذي يضم
مجموعة من المخيمات التي يقيم فيها حوالي
600 حاج أمريكي، اقترحت بحذر أن تمشي مجموعة
منا وراء علم أمريكي في طريقنا إلى رمي
الجمرات على الأعمدة التي تمثل إبليس.
شاهدت أناسا يسيرون وراء
أعلام بلدانهم بحيث يجعلهم قادرين على
السير معا، بدون أن يضلوا طريقهم، افترضت
أنه لو رأى الناس كم هو عدد المسلمين
القادمين من الولايات المتحدة للقيام
بشعائر الحج؛ فإنهم سيكونون أقل رغبة
بإصدار تعميمات ضد كل الأمريكيين.
كان أصدقائي مذعورين، ففكرة
أن يقوم الحشد برجمنا قد حضرت إلينا حال
ظهور العلم الأمريكي، ثم مرت مجموعة تسير
وراء علم كندا، فسألت القريبين مني إن
كانوا جميعهم كنديين، لكنهم قالوا: إن
أغلبهم أمريكيون، وهم لم يريدوا أن يكشفوا
عن هويتهم القومية.
في الجلوس في ميني باص شديد
الازدحام بركابه، وسط حركة مرور بطيئة،
التفت إلي الشخص الجالس بجانبي، وهو مذيع
من بورما، ويتكلم إنجليزية محترمة،
فسألته إن كان الأمريكيون جميعا لا يوثق
بهم.
قال لي: إن الأمريكيين
يعيشون في حوض سمك، وهم يحكمون على العالم
من ذلك الحوض. الناس أخيار أو أشرار،
متمدنون أو غير متمدنين، أغنياء أو فقراء،
حسب المعايير التي تحددها الولايات
المتحدة.
وأضاف قائلا: إن حالة
التمركز حول الذات تحدد كل فعل نقوم به
كأفراد وكحكومة، سواء كان ما نقوم به ذا
نية حسنة أو سيئة، هذا يجعلنا نشعر بأننا
نملك سلطة أخلاقية لفرض طريقتنا في العيش
على كل شخص آخر، وتجعلنا نحرك أيدينا غير
مصدقين حينما يريد أي فرد آخر إلحاق الأذى
بنا، وهذا قادنا إلى إقناع أنفسنا أن ما
يريدون أن يدمروه هو طريقة عيشنا، ثم
انتقد ذلك الحاج الإعلام لتشويه رؤية
بعضنا البعض كبشر.
فعلى سبيل المثال، لماذا لم
تكن هناك تغطية إعلامية أمريكية للحج إلا
لحادثة التدافع المأساوية التي أدت إلى
موت العشرات؟ وكان يجب على التغطية
الإعلامية في الولايات المتحدة، وفي
أماكن أخرى للحج أن تضيء جمالية التجربة
كلها وبهاءها.. بدا الآخر صادقا.
قلت له: إنني أحيانا كنت أقع
ضحية الإعلام تجاه العالم المسلم؛ بدلا من
النظر إلى الحقائق. وأظن أنها طريقة
للتهرب من المسئولية، ووعدته أن أبذل جهدا
أكبر لكي أفهم الأمور بشكل أفضل.
في اليوم الأخير، وتحت شعور
باليأس، سحبت قميصي الأزرق من داخل حقيبتي
وارتديته، وكان عليه علم أمريكي صغير،
كانت آخر محاولة مني لطرح وجهة نظري،
لأعبر عن رأيي بأنه ليس كل الأمريكيين
أنذالا، وأننا نحاول أن نقوم بما هو صحيح،
وأن بلدنا له الكثير من العظمة.
بقيت أمشي بانزعاج متوقعا
الرفض، بدأت أعين تتطلع في العلم، وبسرعة
تزيح نظراتها عني، أنا أصبحت بسرعة إنسانا
غريبا، بقيت أبتسم للناس لكنهم كانوا
يمسكون أنفسهم حالما ترتسم ابتسامة فوق
وجوههم متجنبين تبادل النظرات معي.
والآن حينما أتأمل تجربتي
يتحول في نفسي الشعور بالإحباط إلى غضب من
ضعف الناس في العالم المسلم والولايات
المتحدة؛ الذين يتسرعون في إصدار الأحكام
على بعضهم البعض، في النهاية تضرعت إلى
الله من أجل تحقيق فهم متبادل للطرفين.
|