ذكرياتي في الحج

 

حط الطائر القطري الميمون على مطار الدوحة، حاملا على متنه زمرة من ضيوف الرحمن لهذا العام، الحمد لله على السلامة.. حج مبرور وذنب مغفور.. كلمات تبادلها الحجيج ومن جاء ليستقبلهم في المطار، وتبادل الحجيج بينهم السلام والابتسام فرحا بالعودة، ولم يخلُ الأمر من مسحة من الحزن خالجت القلب؛ حيث قرب الانفصال عن هذه المجموعة المباركة التي اجتمعت على ذكر وعبادة ونسك، وتشاركت في مأكل ومشرب ومنامة، طلبا لرضا الله، وتربت بينها محبة أخوية قوية، عرفها ديننا الحنيف بـ"الأخوة في الله"؛ تلك المحبة التي نمت في أيام معدودات.

الحج أيام معدودات

استجاب رب الناس لدعاء واحدة من الناس، وتقرر أن تكون من حجاج بيته العام الماضي، وفي رفقة غير مسبوقة كانت ضمن من سافر في حملة يمكن أن تسمى بحملة "الأخوة في الله"، وغلبت في هذه الرحلة كفة نون النسوة، حيث كان عدد النساء في الحملة يفوق عدد الرجال، (30 إلى 14)، كما كانت المشارب مختلفة، والمراتب والوظائف متباينة، ما بين أساتذة في الجامعة، ومهندسين، وتجار وموظفين، وطلاب ومربين، وحتى ربات بيوت طيبات، مع ذلك كان هناك انسجام غير عادي، وروحانية غير عادية ضمت الإخوة والأخوات، بل وتعاون اختفت فيه كل أشكال الطبقية والأفضلية والرتب؛ حيث كان الكل في خدمة الكل، والأخ في عون الأخ، واتسم نظام المجموعة بالنظام الذي سنه صلى الله عليه وسلم عندما يرسل المسلمين في مهام؛ حيث كان لمجموعتنا أميرٌ إداريٌّ ينظم سير المجموعة، وشيخٌ ناصحٌ ومرشدٌ دينيٌّ.

البداية شوق لحبيب سكن المدينة

بالنور حبي قد تجلى    بالشوق قلبي قد تلظى

حملنا طائر من الحديد متوجها لمدينة منورة، احتضنت في أرضها خير البشرية، وكان الشوق يزيد كلما قربت المسافة، وكانت كل الشفاه تردد: "اللهم صل على سيدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم".

حط الركب المبارك في المدينة المنورة، ووصل بسلام إلى الفندق وكان الوقت قد تخطى العاشرة مساء، وكانت أبواب المسجد النبوي مغلقة، كأن ساكن المدينة يعاتبنا، ويقول: تأخرتم في زيارتي فلا بد من الانتظار حتى ساعات الفجر الأولى.

ساعات الفجر الأولى وقبل الأذان تقاطرت مجموعة من نساء ورجال، بتؤدة وخطوات هادئة وأبدان خاضعة خانعة توجهت إلى مسجد رسول الله بشوق وحب، بالقدم اليمنى خطوت "بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك".

الروضة الشريفة

قبل أيام من السفر لتأدية فريضة الحج قُدمت لنا عدة نصائح ودروس، وكان منها أننا عند زيارة النبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن نحرص على الصلاة في الروضة الشريفة، ولتحديد مكان الروضة مُيزت بسجاد أخضر يفصلها عن بقية سجاد المسجد النبوي الأحمر.

أقيمت صلاة الفجر، وعند انتهاء الصلاة تجمعت النساء في حلقات يقرأن القرآن أو يسبحن انتظارا لطلوع الشمس، ليؤدين صلاة الضحى، ثم يؤذن لهن بالزيارة الكريمة، والزيارة للنساء في وقت محدد من اليوم من الساعة السابعة والنصف صباحا حتى دخول وقت صلاة الظهر، بدأت فلول النساء تتجمع في طوابير طويلة، بنفاد صبر ولهفة بدأت النساء يلححْنَ بالاستئذان، ويستعجلن الحارس لفتح باب الزيارة؛ فبعضهن سيغادرن طائرتهن خلال دقائق معدودة لتقلهن للبيت الحرام، وما إن فتح الباب حتى انطلقت النساء بخطى سريعة أشبه بالعدو منها إلى المشي، مع أن من آداب الزيارة المشي بأدب وهدوء، وكان أحد الحراس يشير بيديه محاولا تهدئة الزائرات اللاتي بدأن يزدن في سرعتهن ويتسابقن للوصول للروضة الشريفة، وما إن دلفت أقدامنا إلى مكان الزيارة حتى تعجبت من عدد النساء المتجمعات في جهة واحدة، يتزاحمن بشكل غريب، وبسرعة تنم عن رغبة ملحة للوصول للروضة، ولم يخل الأمر من جدال بينهن. وقفت من بعيد أرنو إلى وجوه المصليات الزائرات، فوجدت أن القاسم المشترك بين الجميع كثرة العبرات التي تنهمر من العيون، وقفت بدوري للسلام على سيدي وحبيبي، وما إن بدأت شفاهي تتلفظ "بالصلاة والسلام عليك يا أيها النبي الحبيب ورحمة الله وبركاته، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله.. يا نبي الله، يا حبيب الله، يا نبي الرحمة، يا شفيع الأمة، يا سيد المرسلين، يا خاتم النبيين.."، بدأت العبرات تنسكب بغزارة ديمة (مطر) تمر على أرض قاحلة، اشتاقت لعذب الماء لتدب فيها الحياة، وشعرت بعد هذه الزيارة بخفة عجيبة دبت في أوصالي، وكان لا بد أن ألتحق بمجموعة الرحلة، وبصعوبة وخطوات ثقيلة ابتعدت عن مكان الزيارة واعدة نفسي بالزيارة بعد موعد الإفطار في الفندق؛ لأنني إلى الآن لم أصلِّ في الروضة الشريفة.

وبعجالة كسرنا صيامنا بلقيمات، ورشفات سريعة من الشاي، ولسان حالي يقول: الروضة الشريفة ركعتان، ويتردد في قلبي قوله صلى الله عليه وسلم: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة"، وبشق الأنفس دخلت بين الأخوات بحذر وترقب وعقلي ونظري يبحث عن السجاد الأخضر، وبمجرد ما وطئت قدمي الأخضر، كبرت أنوي ركعتين، وإذا بجسدي وكل لحمي يسجد متخطيا كل أركان الركعة، هذا وما زال ذهني ذاهلا عن الخلل الذي دخل على الركعة، ودعوت بما جاد به لساني، وبمجرد ما رفعت الجبهة، استغفرت وأعدت الركعة كاملة، وامتلأ القلب سكينة وطمأنينة وراحة.

مشروع صحفية

أعد لنا أمير الحملة زيارة لبعض الأماكن التاريخية في المدينة، وكنت وعدت أن أرسل خبرا لشبكة إسلام أون لاين.نت، فأعددت الكاميرا، ودفترا للكتابة؛ عسى أن أعود بخبر أرسله إلى الموقع، كانت الزيارة بعد صلاة العصر مباشرة بشرط أن تنتهي قبل صلاة المغرب، وفي خطوات عسكرية سريعة نزل الركب في باحة مسجد قباء، وكانت الأوامر أن نصلي ركعتين، ونخرج مباشرة إلى الباص، تم ذلك وكنت أول من وصل للحافلة، تذكرت الكاميرا التي علقتها، فبدأت بالتصوير من نافذة الحافلة، توجه الركب إلى جبل أحد ومقبرة الشهداء، وصلنا وهنا حرصت أن أنزل الكاميرا معي، حتى يتسنى لي أخذ صور أفضل، ورؤية أرض المعركة أخذت بلُبِّي وسرح عقلي متصورا المعركة، أخذت لقطة سريعة، ثم توجهنا للمقبرة، وبدأ الشيخ بالدعاء ونحن نؤمن، ثم توزع الإخوة والأخوات، وعدت إلى السرحان في المكان، وتجميع فكرة لخبر ما، فجأة "صورة فورية يا حاجة" صوت من خلفي أنزلني لأرض الواقع، فإذا بي وحدي أقف وهناك من يومئ لي بأن أركب الحافلة.

لقد كان التأخير مني، عدوت مطأطئة الرأس؛ لأن وقت المغرب قد قرب، وفعلا وصلنا إلى الحرم، وقد أقام الإمام الصلاة، وصلينا في ساحة الحرم، "التوبة" ورميت دفتري والكاميرا في غياهب الحقيبة ولم أخرجها إلا في الدوحة.

وداع وترقب

اليوم الأخير في المدينة المنورة تغيرت وسيلة المواصلات في اللحظة الأخيرة، واضطررنا للذهاب إلى مكة عن طريق البر، وفي أغلب أسفاري لا أحب طريق البر، لكن إحدى الحاجّات قالت: يا حاجة الأجر أكبر، تذكري حبيبنا صلى الله عليه وسلم كيف قطع المسافة.

بدأ جميع الحجيج من النساء والرجال في الإحرام، ظهرت علامات التقشف في المظهر والمنظر، وتذكرت في الصباح الفائت الحوار الذي دار بين الحاجّات، وكان عن أحكام الإحرام ومحظوراته، وكيف أن التجمل والتزين من فطرة النساء، ومن الواجب ألا تضع المرأة في الإحرام أي شكل من أشكال الزينة، بل اعتادت المرأة الخليجية على ألوان معينة للإحرام؛ هي نفس الألوان التي تلبسها المرأة في الحداد على الزوج (الأخضر، الكحلي، الأسود)، وتساءلت إحدى الأخوات باستغراب: حتى مزيل الرائحة لا نستخدمه؟ وردت عليها إحدى الحاجات: نعم، تحقيقا لقوله تعالى في الحديث القدسي "إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء، فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا".

أقام إمام المسجد الحرام صلاة العصر، ونحن ندلف إلى باب الفندق، وجاءت الأوامر من شيخ الحملة بأن نجدد وضوءنا ونتجمع في الحرم المكي، لصلاة الظهر والعصر جمعا وقصرا ولطواف القدوم وسعي الحج، ومع صلاة المغرب كنا في آخر شوط للسعي، ثم جلسنا نشاهد البيت العتيق تعبدا إلى أن أقام صلاة العشاء.

كسوة شريفة

تأهبت لصلاة الفجر في الحرم المكي، وأعددت ما أحتاجه لعرفة، اليوم يوم الحج الأكبر، وكانت من وصايا أمير الحملة أن نبقى في الحرم حتى الشروق لنصلي "الضحى" وهو يوم تكسى فيه الكعبة.

صلينا الفجر، ومكثنا في الحرم، وقد خف عدد الزوار لأن أغلب الحجيج بات في منى ليوم التروية إحياء لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبمجرد بدء الشروق، وبدأت أنقل نظري بين أروقة الحرم، الذي كان يتهيأ ليوم العيد.. دبت في الحرم حركة غير عادية، ومن باب الملك عبد العزيز دلف طابور من الرجال تزيوا بزيٍّ كتب عليه "كسوة الكعبة"، وقفت لهيبة الموقف بلا شعور، وإذا بإحدى "خادمات الحرم" تقول: "الحمد لله، الحمد لله، أول مرة خدمت من سنوات عديدة وأول مرة أرى الكسوة" عجز اللسان عن الرد؛ لأن العبرات تساقطت بلا تقديم ولا تبرير؛ فرحا.. حزنا.. سعادة، وعجزت عن التعبير، عدوت من الرواق إلى صحن الحرم، وشاهدت البيت العتيق، رفعت رأسي وإذا برجال لم تنزل الابتسامة عن وجوههم وهم يرفعون أحد أوجه الكسوة، وفي سرعة عجيبة أنزلت الكسوة الجديدة، وبعدها هبطت القديمة معلنة نهاية خدمتها، وبداية خدمة الكسوة الجديدة، فهبطت ساجدة "الله أكبر" شكرا لله، وما إن رفعت رأسي لأرى الكسوة الجديدة، شعرت أنها تبسمت محيية وداعية لي بالتوفيق في هذا اليوم العظيم.

جبل الرحمة

بخفة تجمع حجيج حملة "الأخوة في الله" وتوجه الركب إلى صعيد عرفة، وكان كل من في تلك البقعة متوجهًا لصعيد واحد، وبكل أشكال المواصلات المتاحة مشيا على الأقدام، أو حافلة تكدست فيها الحجيج بل إن الحافلة كانت تقل النساء في الداخل، والرجال على السقف، وكان جميع الحجيج يلهج "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك" معلنين التوحيد، وأنهم جاءوا من كل فج عميق تلبية لنداء "الخليل عليه السلام" إرضاء لرب الناس.

في الطريق كان اللسان يترنم "لبيك حقا حقا تعبدا ورقا"، كان شيخ الحملة يذكر الحجيج بأن ما نراه اليوم قريب الشبه بيوم الحشر، حين ينفخ في الصور، ويتجمع الناس ملبين النداء، مرتدين أكفانهم مستعدين لتلقي حسابهم، لكن اختلف الوضع في هذا اليوم أنه في الدنيا، ويحتشد فيه الناس طلبا لمحو ما تجمع لديهم في صحيفة السيئات.

بدرت مني التفاتة سريعة وإذا بمنظر يذهل العقل، ويربط اللسان؛ بقعة مرتفعة تغطت باللون الأبيض، "جبل الرحمة" هتفت إحدى الحاجّات، وتوجهت أنظار الجميع إلى الجبل، ثم من بعيد لاح مسجد نمرة، الذي امتد على مساحة كبيرة من الأرض، وتقام فيه صلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا في يوم عرفة فقط.

من بعيد لاحت لافتة تعلن أننا وصلنا إلى المحطة المعدة لنا في عرفة، وبنظام نزلت الحاجّات وتوجهن للخيمة المعدة لهن، وهي عبارة عن صوان كبير مكيف ومفروش، ومكتظ بعدد لا بأس به من النساء، وعندما استقر بنا الوضع، بدأت الحاجّات بالتوجه بالدعاء، ففي كل بقعة تقريبا تجد مجموعة تحلقت تقرأ القرآن، أو تتحدث بأحاديث عامة، أو يقرأن في كتاب للأدعية جلبنه معهن، وأحيانا يسمعن لبعض دروس الوعظ لبعض الشيوخ الذين كانوا من ضمن حجاج هذا العام.

دخل وقت الظهر، وأعلن في المكبر الخاص بالحملة: "الصلاة جامعة"، اصطفت الحاجّات للصلاة، لكن كان لكل حاجة قبلة خاصة بها، واحتجن لوقت طويل حتى يتفقن على اتجاه القبلة، أقيمت الصلاة وكبر الإمام وبما أننا كنا منفصلات عن خيمة الرجال كنا نتبع الإمام بالصوت "الله أكبر" معلنا دخول الصلاة، "الله أكبر" ركعنا، "سمع الله لمن حمده" رفعنا من الركوع، "الله أكبر" هوينا للسجود وطال السجود، "سمع الله لمن حمده" فاتضح أن الإمام في الركعة الثانية، ونحن ما زلنا ساجدين ننتظر الرفع منه، تلفتت المصليات باستغراب وتعجبن: هل لعرفة صلاة أخرى؟! واتضح أن مكبر الصوت كان مع الإمام وهو قائم ولم يكن معه وهو جالس للسجود، لذا انفردت كل سيدة بصلاتها.

قارب اليوم على الانتهاء، وجعبة الأدعية لم تنته، والرغبة في الانتهاء من بعض أجزاء القرآن تلح عليَّ، ولكن بدأت الشمس بالمغيب والسماء تصفر، وهتف المكبر يطلب منا التجمع أمام الحافلة استعدادا للنفرة.

تحركنا استعدادا للخروج من عرفة، وبدأ شيخ الحملة يرفع صوته بالدعاء، ونحن نؤمّن، بدأ متوسلا راجيا وخاضعا لله طالبا وملحا في أن نكون ممن غفر لهم في هذا اليوم، ومحيت ما علينا من معاص، وعدنا كيوم ولدتنا أمهاتنا، وكلما اقتربنا من حدود عرفة كان يكرر الدعاء ويلح وخص بالدعاء علماء الأمة، وأن يرفع الغمة عن أمة محمد، ودعا لكل أفراد حملة "الأخوة في الله".. سكبت العبرات طامعة في عفو الله ومغفرته.

نفرة الحجيج منظر مهيب خاصة إن كنت وسط الحجيج؛ فعلى يمينك تجد الحافلات تدب أرض عرفة بقوة متوجهة إلى مزدلفة، والأعجب تراه عن يسارك حيث يظهر جسر المشاة كنهر جارٍ من البشر، يتحرك تجاه مزدلفة، جنسيات مختلفة وألوان متعددة كلها تغطت بقطعتين من البياض، ظهرت للناظر من بعيد كأنها زبد بحر كثيف.

مزدلفة.. على الرصيف

حط الركب قبل أذان العشاء على رصيف من أرصفة مزدلفة، والمبيت في مزدلفة من واجبات الحج، أُعد لنا مكان للجلوس، وصادف أن الجلسة جاءت فوق أحد منافذ المجاري في مزدلفة، وجاءت الأوامر بأن نجمع سبع حصوات فقط لرمي "جمرة العقبة"، وبدأنا في جمع الحصوات، ولم أتوصل إلا لثلاث؛ وهو ما اضطر الأمير أن يأخذ مجموعة منا إلى الرصيف المقابل لاستكمال العدد فأصبح عندي "تسع حصوات".

بعد منتصف الليل بقليل تحرك الركب للرمي؛ لأن أغلب الحملة من النساء، ممن تحقق فيهن شرط رخصة الخروج من مزدلفة قبل الفجر، وبنظام نزلت المجموعة لرمي الجمرات في أقل من خمس عشرة دقيقة، رمى الجميع بسهولة عجيبة عكس ما صور لنا بعض الحجاج عن صعوبة هذا النسك.

عند الواحدة كان الجميع في ساحة الحرم المكي نستعد لطواف الإفاضة، وفي الطواف بمجرد ما بدأت أنسجم مع الدعاء وخطوات الطواف إذا بصوت يهتف عن يميني "خشب خشب" وخطوات سريعة تطوف بمجموعة من الكبار في السن محمولين على الأكتاف، حمدت الله الذي عافانا وأحسن إلينا وبلغنا فريضتنا بقوتنا، استغرق الطواف ساعة كاملة، وكان آخر كلمة لي في نهاية الشوط السابع الذي ازدحم فيه الطواف "اللهم اجعله آخر حشرنا".

عيدكم مبارك

اكتظ الحرم بالطائفين والركع السجود، يوم العيد، وعلت الفرحة وجه جميع رواد الحرم المكي، بدأت الخطبة الأولى، وقدم إمام الحرم تهنئته لجميع حجاج هذا العام بأن بلغهم حجهم، ودعا لهم بأن يتموا مناسكهم ويعودوا بحفظ الله إلى بلادهم، أتم الخطبة وبادرت بالخروج من الحرم، وأنا في الطريق إذا بالإمام يخطب الخطبة الثانية تذكرت أن للعيد خطبتين كصلاة الجمعة، يا رب عفوك.

"عيدكم مبارك" تهنئة تبادلتها الأخوات وهن مجتمعات في الفندق يتناولن إفطار العيد، ويتبادلن التهنئة، ويهاتفن الأهل سعيدات بما بلغهن الله من أداء فريضتهن.

"تولاي" التركية

"صلاة الجمعة" توضأنا ولبسنا أفضل ما جلبنا، وتوجهنا لأداء صلاة الجمعة في الحرم، وفي الدور الثاني جلست وكانت بجانبي إحدى الحاجات من تركيا وقد بدا عليها الإنهاك والتعب، صافحتها وبادرتها بالسؤال طبعا بالإشارة لأننا لا نجيد لغة بعض، فأشارت "السعي" ففهمت أنه بقي لها سعي الحج، ثم عرفت بنفسها "تولاي" وعرفتها بنفسي وأختي، أذن المؤذن وارتقى الإمام للخطبة، بدأ "بحمد الله والثناء عليه، ونصح الحجيج بتقوى الله وأن يؤدوا مناسكهم بالصورة الصحيحة.. وتحدث عن الوضع الراهن للأمة..."، إذا بتولاي تسألني: ماذا يقول الخطيب؟ فلم أرد عليها خوفا من اللغو أثناء الخطبة، وبمجرد انتهاء الخطيب من الخطبة الثانية وبدء الصلاة تراصت المصليات في صفوف منتظمة، وبنظرة سريعة إذا بالصف جمع أكثر من جنسية ولون؛ فعن يميني حاجة من "بلاد الرافدين"، وعن شمالي حاجة من "الكنانة"، وأمامي صف من حجيج الدول الآسيوية، والصف الخلفي اصطفت حاجات من أفريقيا..

"السلام عليكم ورحمة الله" سلم الإمام خاتما لركعتي الجمعة، تبسمت "تولاي" ابتسامة تنم عن تساؤل ما زال يدور في ذهنها "موضوع الخطبة" فأجبتها بلغة الإشارة أنها كانت عن مناسك الحج.

حمامة بيضاء

ما إن لاحت من بعيد أطراف منى، فإذا بمنظر يخلب اللب من جماله، تحولت التربة الحمراء إلى بساط أبيض كأن حمامة بيضاء عظيمة خرجت من كتب الأساطير وحطت على أرض منى.

"خيام منى الدائمة" وصلت المجموعة إلى الخيمة المعدة للمبيت في منى خلال أيام التشريق، تراصت الأخوات بحب ورحابة صدر في مكان بعيد عن كل رفاهية اعتدنها في بيوتهن، وتناولن وجبة جماعية سريعة، وافترشن الأرض للنوم، لكن هيهات أن تقر العين بنومة أو حتى غطة بسيطة، غرابة المكان وهيبة ما ينتظر الحاجات منعتهن من النوم، فما كان من بعضهن إلا أن يحيين الليلة بذكر ودعاء وقراءة قرآن وتهجد عسى أن تهجع عيونهن بغطة سريعة، استعدادا لرمي الجمرات.

ومع ساعات الفجر الأولى وبعد نوم متقطع صحونا وتقاطرت المجموعة لدورة المياه، طلبا لتجديد الوضوء استعدادا للصلاة، وعند السابعة صباحا توجهنا إلى الحافلة للذهاب لرمي الجمرات، وكنت من أول من أراد الرمي لكن الضعف والوهن الذي أصابني أبى علي، وكان لا بد أن أوكل أحدا بالرمي عني في المرتين.. "اللهم عفوك".

وداع.. وغداء فاخر

يوم الثالث عشر من ذي الحجة تجمعت حملة "الأخوة في الله" على سطح الحرم لصلاة الفجر والطواف مودعين البيت الحرام، وداعين أن نعود له حاجين ومعتمرين مرات وكرات.

استقلت المجموعة حافلة العودة، وبعد ساعة أو أقل ظهرت معالم "عروس البحر الأحمر" جدة، وتوقفت الحافلة أمام فندق فاخر لتناول وجبة غداء دسمة في المطعم الذي يطل على ساحل البحر الأحمر، وكانت مفاجأة أسعدت كل المجموعة التي كانت منذ أيام في جهاد لا قتال فيه.


** من أسرة شبكة إسلام أون لاين.نت يمكنكم مراسلتنا بذكرياتكم عن الحج عبر بريد صفحة الحج: hajj1427@iolteam.com

 

مناسك وأفئدة

قلوب مشتاقة

الحج التفاعلي

الرئيسية

السنوات الماضية

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع