حج مبرور.. والله أعلم!

 

لا أزال أتذكر صورة كف اليد في كتاب الدين المدرسي، في المرحلة الابتدائية، إذ تعلمت فيه أركان الإسلام الخمسة: شهادة التوحيد، الصلاة، الصيام، الزكاة، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.

وعرفت فيما بعد أهمية الاستدراك "لمن استطاع إليه سبيلا"، فالحج ليس بالأمر السهل الميسر للجميع، خاصة إذا كانت المسافة بعيدة، والتكلفة المادية عالية، فضلا عن عامل القدرة البدنية والصحية التي يمكن أن تشكل بدورها عائقا للحج.

وكنت على دراية بصعوبة الحج، بل استحالته بالنسبة لي، حيث كنا نعيش في بيئة فقيرة بأحد أحياء محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وكان الخروج من هذا الحي أمنية صعبة المنال، والسفر بالقطار إلى أحد المصايف من الأمور المستحيلة، فما بالك بالسفر إلى مكة المكرمة؟!

وسمعت عن وجود خط سكة حديد في الماضي يصل إلى بلاد الحجاز، ولكن تم تدميره في أثناء الحرب العالمية، ولا أزال أتذكر صور الطائرات المرسومة على جدران المنازل في شوارعنا الشعبية المتواضعة، والتي تشير إلى أن أصحاب المنزل قد أدوا فريضة الحج، وكانت تلك الرسومات أشبه بإعلان عن ذلك.

وتعتبر مفخرة عظيمة لأصحاب الدار، وينال صاحبها لقب حاج، بمجرد عودته إلى جانب احترام الجميع وتقديرهم، وكنت بدوري أنظر إلى أصحاب هذه المنازل، كما لو كانوا كائنات خيالية، فهؤلاء ركبوا الطائرة التي أحلم برؤيتها وزاروا الكعبة بيت الله الحرام، التي أتمنى زيارتها مثلي مثل ملايين المسلمين في كافة أنحاء الأرض، وكلاهما حلم بالنسبة لي ولأقراني في هذا الحي.

فكنا إذا مرت طائرة هتفنا جميعا، وأسرعنا نجري فرحين، ونحن نشير لها، لعل ركباها يروننا، حيث كان مرور طائرة فوق الحي حادثة عظيمة. أما سفر أحدهم للحج، فأسطورة يتمناها الجميع خاصة أنه لم يكن أحد من أقاربي قد تسنى له الحج سواء بالطرق المشروعة أو غير المشروعة، لذا بقي الحج أشبه بحلم، قبل أن يكون فريضة منذ سنوات عمري المبكرة.

كنت أجد العزاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يخبرنا فيه بأن من صلى الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر الله حتى تشرق الشمس، كان له أجر حجة. فكنت أفعل ذلك وأنا سعيد بوجود بديل سهل قابل للتنفيذ، بدلا من الحج المستحيل، والتي كانت تتضاعف تكلفته عاما بعد عاما، حتى وصلت إلى أرقام لم أتخيلها يوما ما.

وكنت أنتظر المسبحة والسواك، الهدايا المعتادة التي كان يوزعها كل من قام بحجة أو عمرة، إلى جانب ماء زمزم أو "الطواقي" البيضاء الجميلة، وعرفت أن البعض يقوم بشراء الهدايا من حي الحسين قبل السفر ثم يختزنها، وعندما يعود يوزعها على أنها هدايا جاء بها من مكة، واعتبرت ذلك تصرف صائبا، فينبغي للمرء أن يتفرغ للعبادة في هذه المناسبة، ولا يشغل نفسه بالهدايا وما شابه.

ومع تقدم العمر بي بدأت أقابل بعض الحجاج الذين كان لهم حظ السفر، وكنت أستمع إلى قصصهم عن الحج في انتباه شديد، وأنا أنتظر أن يقصوا لي عن الكعبة، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف كانت حلاوة اللقاء وروعة هذا المشهد العظيم، الذي يقشعر له البدن، وأنا أتمنى أن أقوم بتلك الفريضة يوما ما.

ولكن كانت المفاجأة أن أول قصة لي عن الحج، كانت عن شاب يتسول في الحرم؛ مدعيا أنه قد تمت سرقته، وهو يصرخ مستنجدا بالحجاج مستغيثا بهم، والحجاج يهرولون عليه، هذا يعطيه، وهذا يعطيه.

ولكن الخدعة لم تخدع الحاج الذي يقص القصة، فأخذ يتعقب ذلك الشاب، واكتشف أنه يقوم بنفس الخدعة عدة مرات في أماكن متفرقة من الحرم، لذا أسرع إلى رجال الشرطة الذين تعقبوه، ووجدوا في غرفته نصف مليون ريال سعودي حصيلة تلك الخدعة.

ولم تكن هذه حادثة التسول الوحيدة التي سمعتها، بل هناك الكثير مع اختلاف الصور والطرق، فقد شاهد البعض سيدة تسرق سلسلة ذهبية معلقة برقبة طفلة صغيرة، وهي تتظاهر بالدعاء أمام الكعبة، وما أكثر من يتظاهر بالدعاء، ثم يقوم بالسرقة! وما أكثر من يحج بهدف السرقة والتسول! وهي حقيقة يدركها كل من حج إلى بيت الله الحرام.

"حجيج وحجوج"

أما أغرب ما سمعت، وأكده لي كثير من الحجاج، هو مواعيد "الرنديفو" بين الأحبة والعشاق، فالحرم خير مكان يمكن أن يحدث اللقاء فيه بعيدا عن رقابة العيون من الأهل والأقارب والجيران، إلى جانب حفلات التدخين والكوتشينة، خاصة في يوم عرفة من باب الترفية وتمضية الوقت.

والأغرب عندما يحاول أحدهم تنبيه هؤلاء الغافلين إلى الخطأ وخطورة تصرفاتهم، يكون الرد قاسيا وقحا أكثر من وقاحة التصرف نفسه، والويل كل الويل لمن ينادي أحدهم باسمه المجرد، فتجده ينهره بعنف، ويؤكد على لقبه الجديد "حاج" قبل الاسم المجرد، ولم لا بعد أن دفع كل هذه المبالغ؟

وسمعت عن ألقاب جديدة مثل "حجيج" و"حجوج"، وذلك لمن قام بالحج أكثر من مرة، وعلى هذا الطريق يتنافس أصحاب الأموال، في الحصول على تلك الألقاب، ولا أنسى يوما كنت جالسا مع زمرة من هؤلاء، وكل منهم يباهي بالخمسة عشرة حجة، وهذا يفاخر بعدد مشابه، وهكذا حتى ارتفع صوت الأذان، فنهضت لأداء الصلاة منبها لهم، فكانت النظرات الوحشية والعبارات المتهكمة، ومع ذلك لم يقم أحد منهم للصلاة، وأنا أسأل نفسي هل تقبل الله الحج من هؤلاء؟

وهكذا كانت المفاجأة، فبدلا من أن يحكى لي الناس الذي تمتعوا بأداء هذه الفريضة عن الراحة النفسية التي أحسوها، والسمو الذي عايشوه وهم في هذا المكان الطاهر، أخذت قصص السرقة والتسول، فضلا عن الشتائم والمشاجرات بين الحجاج تحتل المكانة الأولى في الحديث وحكايات الحج.

وفي عصر الفضائيات أصبح من السهل متابعة شعائر الحج بشكل سهل وميسر، بل يمكن مشاهدة الصلاة يوميا في الكعبة، وكنت أجد الكثير من العزاء في تلك المشاهدة خاصة مع استمرار الصعوبة المادية في تحقيق تلك الشعيرة الغالية، وتسلل إلى سمعي وأنا أشاهد قول أحد المذيعين: "حج مبرور وذنب مغفور" فقلت مستدركا وأنا أتذكر الحكايات التي سمعتها عن الحج: "الله أعلم"! 

عمومًا وبرغم ما سمعته عن هذه النوعية من الحجاج، فإنني لا أتمنى أبدًا أن أكون مثل واحد منهم، بل أحلم باليوم الذي أقوم فيه بالحج، على أن يكون مبرورًا مثلما تمنيت، عندها سأحقق حلمي الذي يستحق أن أحلم به فعلاً.


** كاتب فلسطيني. يمكنكم مراسلتنا بذكرياتكم عن الحج عبر بريد صفحة الحج: hajj1427@iolteam.com

 

مناسك وأفئدة

قلوب مشتاقة

الحج التفاعلي

الرئيسية

السنوات الماضية

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع