الحج من قبل.. يشعل الحنين في القلب

 

يشتاق كل مسلم لرحلة الحج، ولكن من ذاق عرف، ومن شهد البيت الحرام اشتاق لزيارته من جديد، واشتعلت داخله ذكريات الحج من قبل، وزادت دقات قلبه مع اقتراب موسم الحج؛ إذ يتذكر مشاعره عندما طاف البيت وأدى النسك، ودعا من قلبه: "ربِّ اغفر".

يؤكد من حجوا من قبل أن شوقهم للبيت الحرام زاد بعد الحج، تذرف عيونهم بالدموع لفراق بكة؛ إذ يستعيدون مع سماع كل أذان لحظة أن ارتجفت أفئدتهم فرحة بزيارة بيت الله الحرام، حيث موعدهم مع المغفرة.

ويحفل الحج بمعان سامية وأسرار عجيبة؛ تفتح سيلاً من الأسئلة، من قبيل: تُرى لماذا كل هذا الشوق للحج؟.

وعن هذه المشاعر؛ يقول رجب السيد (صحفي): "هي رحلة إيمانية بكل المقاييس، كثيرون يعدون أدعية، ولكن لحظة وقوع العين على الكعبة ينسى المرء كل الأدعية، بل وينسى كل شيء؛ فوصف المشاعر صعب، فعند رؤية الكعبة يخالجك شعور بعظمة وجلال المكان وهيبته، وليست الكعبة فحسب؛ فكل مكان في هذه البقعة المباركة له إحساسه الخاص والمختلف؛ ففي المدينة المنورة تشعر بقمة السكينة والاطمئنان والسعادة لمجاورة النبي صلى الله عليه وسلم، والتواجد في الروضة الشريفة، والصلاة بداخلها، والسلام على ساكنها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم".

ويكمل رجب -وفي عينيه لمعة استحضار الذكرى-: "إن لحظات الوداع والفراق هي أصعب اللحظات على الإطلاق؛ فمع بكاء الكثيرين لحظة طواف الوداع كنت حريصًا على عدم النظر إلى البيت الحرام عند مغادرتي لئلا تغرقني مشاعر الحزن والأسى على فراقه، لكن عندما خرجت التفت رغمًا عني، وألقيت نظرة أخيرة شعرت معها بفراق أكثر الأماكن طهارة على وجه الأرض".

وتصف سارة سامي -خريجة كلية الإعلام- مشاعرها: "زرت الكعبة أكثر من عشرين مرة، وفي كل مرة أحظى بإحساس جديد ومختلف. وفي الرحلة الأخيرة كنت خجلة من الله لكثرة ذنوبي وتقصيري في جنبه، لكنه سبحانه أحاطني بكرمه وغسلني من ذنوبي، فعدت -ولله الحمد- يتملكني شعور بالزهد في الدنيا".

وتضيف سارة: "أحسست بحق وكأنني ولدت من جديد، وظللت أحمل في ذاكرتي مكة؛ أجمل بقاع الدنيا، وينبغي على كل من يعاني من أي مشكلات حياتية أو نفسية؛ أن يزورها ويستمتع بحلاوة الرحلة، ويعيش في هذا الجو الإيماني حتى يبرأ مما فيه ببركة هذا المكان الطاهر".

وينقلنا عبد الهادي أبو طالب -صحفي ومترجم- درجة أخرى، فيقول: "جسدت عندي الكعبة ذروة الجمال والمشاعر؛ فهي رمز التوحيد الخالص، فقد وجدت نفسي في مشهد تجمّع فيه مزيج عجيب من كل ألوان البشر وأشكالهم، الكل يطوف ويلبي، فاستشعرت بذلك عظمة الخالق عز وجل الذي أذن لكل هذا الجمع من البشر بعد أكثر من 1400 عام من بعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم".

ويستطرد أبو طالب: "ذروة مشاعري كانت في عرفات الذي تمثل وقفته منتهى التجرد لله عز وجل من كل شيء، فتشعر أنه أفضل يوم في الدهر، ومَنْ خسره فقد خسر كل شيء. فالحاج يخشى أن تغيب شمس هذا اليوم دون أن يغفر له، فيتضرع إلى الله بالدعاء طمعًا أن يشمله عفو الكريم سبحانه وتعالى".

آيات الله تتجلى

ومن جهته، يشرح الداعية الإسلامي الشيخ وجدي غنيم صلة القرب بين قلب المسلم والكعبة: "يدعم الحج المسلم بمشاعر إيمانية قوية، ليس هذا فحسب بل يقويها أيضًا، فعندما يرى الإنسان بناء إبراهيم عليه السلام المتمثل في الكعبة يتعمق عنده الإحساس بالانتماء إلى جده الأكبر إبراهيم عليه السلام الذي يعكس بدوره انتماءنا للإسلام على أساس اعتبار الكعبة رمزًا له".

ومن أهم أسباب شعور المسلم بتلك المشاعر الإيمانية أيضًا، رؤيته لآيات الله عز وجل في الحج التي عبّر عنها في كتابه الكريم في سورة آل عمران: "إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا" (آل عمران: 96).

فمن آيات الله التي يراها المسلم عند حجه "مقام إبراهيم"، وكيف تجلت قدرة الله عز وجل في إلانته للحجر لتنطبع عليه آثار أقدام أبينا إبراهيم، وتكون أثرًا وشاهدًا إلى يوم القيامة. أيضًا "ماء زمزم" المتدفقة دائمًا التي لا تنضب أبدًا، ولا تنتهي رغم شرب الملايين منها كل عام.

ويستطرد الشيخ وجدي: هناك أيضًا "منى" تلك البقعة الضيقة التي تتسع كل عام لملايين الحجيج، حتى إن المرء لو رآها في غير زمن الحج لتعجب، ولما تخيل استيعابها لكل هذا الكم من أفواج الحجيج، حتى قال فيها العلماء: "تتسع منى للحجيج كما يتسع رحم المرأة للجنين"، وهناك غير تلك الآيات الكثير والكثير الذي يجعل المسلم -رغمًا عنه- أسيرًا لتلك المشاعر الرائعة.

ويلتقط أطراف الحديث، فضيلة الشيخ محمد الراوي -عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف- الذي عبَّر عن رأيه قائلاً: "تهفو إلى الحج قلوب الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم؛ استجابة من الله عز وجل لدعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ" (إبراهيم: 37). فبرغم كون مكة منطقة وعرة تحيطها الجبال من كل مكان؛ تشتاق لها الأرواح والأبدان، أكثر مما تهفو إلى زيارة أي منتجع سياحي جذاب".

عن طيب نفس

ويصف الدكتور عبد الله بركات -عميد كلية الدعوة الإسلامية بالقاهرة- توهج مشاعر المسلم في رحلة الحج: "حينما يرى المسلم الكعبة لأول مرة يدرك عِظَمَ نعمة الله عليه؛ لأنه أتى به من فج عميق، من غير حول منه ولا قوة؛ ليرى بأم عينيه ما كان يتوجه إليه في صلاته طيلة حياته، دون أن يراه، وهو أول بيت وضع للناس.

كما أن من نعم الله على المسلم أن يسَّر له نفقات حجه. فعلى الرغم من حب الإنسان لجمع المال وكنزه؛ يضحي به الحاج عن طيب نفس ليشتري ما هو أغلى من عطايا الدنيا؛ يدفع القليل -مالاً وجهدًا- مقابل وعد من الخالق بتخليصه من ذنوبه وخطاياه؛ متطلعًا لحديث الصادق صلى الله عليه وسلم: [الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة]".

ويقول بركات: يدرك المسلم عظمة هذا الدين عند الطواف حول الكعبة؛ متمثلة في مشهد أمة واحدة تتكامل وتتكاتف. فينظر الناس من كل أنحاء الحرم إلى الكعبة، ويطوفون في حركة دائرية تنسجم مع حركة الأفلاك، يسبحون الله ليل نهار لا يفترون، خلعوا كل مظاهر الحياة، وتجردوا لله الواحد القهار.

وعندما يرى هذا البناء العظيم، يتذكر يوم أن ترك إبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل وزوجه هاجر، دون أنيس أو جليس بواد غير ذي زرع، ويوم أن وضعا قواعد البيت، وقد حكى القرآن ذلك فقال: "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (البقرة: 127).

ويتذكر يوم أن كانت الأصنام حول الكعبة وفي جوفها، فإذا بالبيت قد تلاشت من حوله أمارات الأوثان والأصنام، وصدحت أرجاء مكة كلها بالأذان، وباتت تردد الثناء على خالقها وتسبح بحمده، فلا ترى بها إلا راكعًا أو ساجدًا أو باكيًا أو مستغفرًا أو متأملاً.

ومن عجائب الأمور أنك ترى في مكة كل ألوان الطعام والفاكهة. فترى فاكهة الصيف شتاء وفاكهة الشتاء صيفًا؛ بعد أن كانت المنطقة صحراء جرداء. فتتفاعل خلجات نفس المسلم عندما يتفكر في هذه المظاهر، ويشعر بروحه هائمة.

ترميم العلاقة مع الله

ويقسِّم الدكتور محمد هاشم بحري -أستاذ علم النفس- الحجاج إلى صنفين: إما متدينون أصلاً؛ يكملون بالحج فرائض الإسلام الواجبة عليهم. وإما غير متدينين، وهم النوع الثاني المتحمس لإعادة بناء علاقته مع الله.

ويضيف هاشم: والتحليل النفسي لبعض أفراد النوع الثاني؛ يؤكد أن لهم مشاكل مع "السلطة". والسلطة هنا قد تتمثل في أسرة تضم أبًا أو أمًّا. وقد ينتج عن عدم التوافق مع السلطة المباشرة (الأسرة) عدم استقرار في التواصل مع السلطة الأعلى "الإله". وتكون توبة أصحاب المشاكل الاجتماعية أكثر صدقًا. ورغم ذلك؛ يأتي خطر الانتكاسة إن لم تنصلح أحوالهم الاجتماعية؛ إذ قد يعودون إلى ما كانوا عليه قبل الحج.

ويرجع هاشم سر الأحاسيس الجيَّاشة التي يشعر بها الحاج إلى رمزية الكعبة في العقلية المسلمة؛ فهي ترمز إلى الإسلام. ويوضح أن "الإنسان الذي يعيش في بلاد الإسلام يتعرض منذ ولادته لكمٍّ ضخم من الحشد الروحي والمعنوي وإثارة في المشاعر، يثير الوله والحب والشوق تجاه تلك البقعة المباركة".

ورغم كل التفسيرات التي يطرحها العلماء عن "الشوق" للحج فستظل هناك معان وأسرار غامضة، يستشعرها المسلم بقلبه، ولا يستطيع أن يحللها بلسانه؛ فهي كالألغاز جعلها الله سرًّا في النفوس، معان وحدها هي القادرة على تطهير القلوب من جبال الذنوب، وإشعال شموع الطاعة فيها.


** صحفية مصرية.

 

مناسك وأفئدة

قلوب مشتاقة

الحج التفاعلي

الرئيسية

السنوات الماضية

 
من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع