|
عبر رحلات مكوكية لا تستغرق
سوى أيام معدودة، يحرص بعض الزعماء
والرؤساء على أداء فريضة الحج التي لم
تسلم من التوظيف السياسي من جانب بعضهم.
فقد لجأ بعضهم إلى أداء
الفريضة للرد على اتهامهم بمحاربة مظاهر
التدين في بلادهم، بينما استغله آخرون
ليثبتوا لشعوبهم مدى الورع الديني والرد
على اتهامات المعارضين بجهلهم بالعقيدة
الإسلامية، وفي المقابل فإن هناك ساسة
يقودون تيارات إسلامية وصلت إلى السلطة،
وحرصوا على أداء فريضة الحج لاقتناعهم
بضرورة أن يكونوا قدوة لباقي فئات
مجتمعاتهم.
وتضم قائمة الرؤساء
والسياسيين المقرر أن يؤدوا فريضة الحج
هذا العام كلا من: الرئيس السوداني عمر
البشير، والرئيس الصومالي عبد النور أحمد
درمان، وملك ماليزيا، والرئيس
البنجلاديشي، ورئيس وزراء لبنان عمر
كرامي، ووزير الدفاع العراقي حازم
الشعلان، ورئيس الوزراء الجزائري سابقا
علي بن فليس، ومفتي القدس عكرمة صبري،
وعائلة الرئيس الشيشاني السابق أحمد
قدروف.
"بودي جارد"
وفجأة وسط زحام وضجيج الحجيج
المعهود تظهر تشكيلات من أشخاص مفتولي
العضلات، ويشكلون شبه دائرة يقف وسطها هذا
الزعيم أو ذاك الملك، وفي لحظات ينفتح
الباب الملكي للحرم، وتختفي بداخله هذه
الشخصيات وسط عشرات من حراسهم المتخفين في
زي الإحرام.
ومن جانبها تحرص السلطات
السعودية على توفير كافة الإجراءات
اللازمة لتأمين مواكب الرؤساء الراغبين
في الحج، وتخصص لهؤلاء الحجاج الضمانات
الكافية لتأمين سلامتهم هم ومرافقيهم
خلال أيام الحج، سواء كانوا من أفراد
أسرهم أو من حراسهم الشخصيين.
وفي بداية حكم العاهل
الأردني عبد الله الثاني خلفا لوالده
الملك حسين، ثارت حوله اتهامات كثيرة بعدم
قدرته على التحدث باللغة العربية، وأنه
يجهل أبسط القواعد الأساسية للعقيدة
الإسلامية، فقام في العام التالي بأداء
فريضة الحج، ونُشرت أخبار حول زيارته لبيت
الله الحرام، وحرص القصر الملكي على تعميم
ونشر صور الملك الجديد وهو بملابس الإحرام
في حالة من الخشوع والورع وسط ملايين
المسلمين.
وتكرر الموقف بالنسبة
للعاهل المغربي محمد السادس الذي ورث عن
والده الراحل محمد الخامس لقب أمير
المؤمنين، فقد نصحه أصدقاؤه ومستشاروه
بأن يستهل عهده بأداء فريضة الحج، والظهور
بين جموع الحجيج، مثل ملايين المسلمين.
وكانت هناك مجموعة من الظروف
الداخلية التي أحاطت زيارة الرئيس
التونسي للبيت الحرام، إذ أحاطته وقتها
تهم محاربة التدين في بلده، ونشرت وسائل
الإعلام التونسية صورة الرئيس بملابس
الإحرام وزوجته وابنته وهما مرتديتان
الحجاب في حالة نادرة؛ خاصة أن بن علي رفض
الاستجابة إلى المطالب الشعبية المتكررة
لإلغائه.
ويعتبر القانون 108 الصادر
عام 1981 في عهد الرئيس الراحل الحبيب
بورقيبة الحجاب "زيًّا طائفيًّا"،
وليس فريضة دينية، ومن ثَم يحظر ارتداؤه
في الجامعات ومعاهد التعليم الثانوية.
خلافات سياسية
وتقف الخلافات السياسية بين
المملكة العربية السعودية وبعض الدول
عائقا يحول دون توجه زعمائها لأداء فريضة
الحج، فمثلا الزعيم الليبي معمر القذافي
من بين الزعماء العرب القلائل الذين لم
يحرصوا على أداء هذه الفريضة.
وحسب مصادر سياسية ليبية
مقربة من العقيد، فإن السبب في ذلك يرجع
إلى الخلافات التاريخية الدائمة بين
العقيد والقادة السعوديين، وكان أبرزها
تلك الملاسنة الشهيرة التي جرت في قمة شرم
الشيخ بين العقيد والملك عبد الله عندما
كان وليا للعهد، إلى جانب الخلاف الدائم
وعدم الثقة بين الجماهيرية الليبية
والمملكة العربية السعودية في مختلف
القضايا السياسية.
وقد كان موسم الحج فرصة لعقد
لقاءات هامة بين بعض القادة والسياسيين في
العالم العربي، ومن أشهرها اللقاء الذي
جمع مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين قبل
اغتياله على أيدي قوات الاحتلال الصهيوني
بأشهر قليلة مع عدد من الشخصيات
الإسلامية، من بينهم زعيم المؤتمر الشعبي
السوداني الدكتور حسن الترابي، وزعيم حزب
الله اللبناني الشيخ حسن نصر الله، ومفتي
سوريا الشيخ أحمد كفتارو، وفي هذه
المناسبة اجتمع العاهل السعودي الأمير
عبد الله بهم عندما كان وليا للعهد، ووجه
كلامه إلى الشيخ ياسين قائلا: "إني أرى
عز العرب في عينيك".
مبارك والضغوط الأمنية
وهناك زعماء عرب حالت
الأسباب الأمنية بينهم وبين أداء
الفريضة، ومن بين هؤلاء يأتي الرئيس
المصري حسني مبارك الذي اكتفى بأداء هذه
الفريضة عندما كان نائبا لرئيس الجمهورية.
كما حرص في بداية توليه منصب
الرئاسة في أعقاب اغتيال الرئيس السادات
1981 على أن يؤدي مناسك العمرة، وظهرت له صور
عديدة في كافة وسائل الإعلام المصرية،
بعدها لم يعلن لمبارك وأسرته عن أي زيارة
من هذا النوع إلى الأراضي المقدسة.
ويرجع بعض المحللين ذلك إلى
عمليات التأمين التي تتطلب إجراءات
مشددة، تضاعف تعقيدها باستمرار مع تعدد
محاولات النيل من حياته في أكثر من مناسبة.
على عكس الرئيس السادات الذي
كان صاحب أشهر صور وهو في ملابس الإحرام،
حيث يعد صاحب رقم قياسي بين رؤساء مصر في
عدد مرات الحج، فقد أدى الفريضة منذ أن بدأ
حياته السياسية، أكثر من عشر مرات.
ثم يليه الرئيس جمال عبد
الناصر الذي حرص على أداء فريضة الحج
منتصف الستينيات من القرن الماضي في ذروة
حملات الاعتقال والتعذيب التي استهدفت
الرموز الإسلامية في تلك الفترة.
غسل ذنوب "الكبار"!
وكان لافتا أن معظم رؤساء
الوزراء والوزراء المصريين الذين عملوا
مع مبارك حرصوا على أداء فريضة الحج أكثر
من مرة، من أبرز هؤلاء الدكتور أحمد فتحي
سرور رئيس مجلس الشعب، الذي عرف عنه
اصطحابه عددا كبيرا من حراسه أثناء الحج،
ثم رؤساء وزراء مصر السابقون بدءا من د.كمال
الجنزوري إلى د.عاطف صدقي، ود.عاطف عبيد.
والطريف أن معظم الوزراء
وأعضاء مجلس الشعب وكبار الشخصيات في مصر
لديهم عدد سنوي من دعوات الحج المجانية
لهم ولأقاربهم، وبعضهم يتنازل عنها أو
يهديها لأقاربه ومعاونيه، حتى إن بعض
المصريين يتندرون على كبار المسئولين
الذين تلاحقهم فضائح الفساد بأنهم يحرصون
على غسل ذنوبهم، وخرجت آلاف النكات التي
ربطت بين علاقتهم بالفساد وحرصهم على أداء
فريضة الحج بانتظام.
توجه إسلامي
وحرص عدد آخر على تكرار الحج
أثناء وجودهم بالسلطة كقدوة لمواطني
بلادهم، من أبرز الأمثلة على هؤلاء يأتي
رئيس الوزراء الماليزي الأسبق الدكتور
محاضر محمد الذي نقل عنه الإصرار على
الانخراط بين جموع الحجيج دون تميز أو حتى
حراسة.
وظل زعيم حزب الرفاه التركي
نجم الدين أربكان -بعد أن تولى رئاسة
الوزراء في بلاده- حريصا على أداء فريضة
الحج بانتظام، ثم التزم رئيس الوزراء
التركي الحالي ورئيس حزب العدالة
والتنمية رجب طيب أردوغان، على مواصلة تلك
العادة التي يحرص عليها زعماء التيارات
السياسية ذات التوجه الإسلامي في تركيا.
كذلك الحال بالنسبة للرئيس
الإندونيسي السابق عبد الرحمن وحيد الذي
كان يحرص طوال الفترة المحدودة في السلطة
على أداء فريضة الحج بصحبة عدد من وزرائه
وأقاربه.
ومن أشهر القادة والسياسيين
المسلمين من غير العرب الذين يحرصون على
أداء فريضة الحج سواء كان في سدة الحكم أم
خارجها السيدة بناظير بوتو رئيسة وزراء
تركيا السابقة، ونائب رئيس جمهورية
موريشيوس عبد الرؤوف بودهين، ونائب رئيس
جمهورية نيجيريا أتيكو أبو بكر، ورئيس
الوزراء السنغالي إدريس سيك. |