|
يتطلب استشعار حلاوة الحج،
وتطهير القلب من الذنوب والعلل؛ فهم
المناسك، واستحضار النوايا، واستلهام
الحكمة، وطلب المغفرة من الله، وقبول
الجهد المبذول في أداء النسك، والصبر على
الزحام.
فالمناسك ليست بمعزل عن
المقاصد الربانية للحج؛ إذ يدفع كل منسك
في الاتجاه الذي أراده المولى عز وجل من
الحج، وهو ربط قلب المؤمن بالله، وعلاج
الشرخ في جدار الجرأة على الذنوب،
واستحضار عظمة المولى عز وجل، وتكفير
الذنوب،... إلخ.
ويوضح الدكتور عزت عطية،
أستاذ الحديث بجامعة الأزهر، أن توثيق
العلاقة والصلة بالله هي مقصد كافة
الأوامر والفروض الإلهية. غير أن الوساوس
الشيطانية والمشاغل الدنيوية تضع حاجزًا
على القلب ضد نور الإيمان. وتطهر كل عبادة
جزءًا من القلب؛ إلا الحج، فإنه يطهر
القلب كاملاً؛ شريطة توفر الإخلاص.
ويتطلب تفعيل الإيمان في
النفس تذكر عدة أمور؛ أهمها حجة الوداع
التي أزال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم
كل معالم الشرك؛ إذ كان الكفار يجعلون لله
شريكًا في التلبية. فقال صلى الله عليه
وسلم: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك
لبيك". فأعاد التوحيد إلى أصله الذي كان
عليه في عهد إبراهيم؛ فكان تطهيرًا للباطن.
وكان الناس في الجاهلية
يطوفون حول الكعبة عرايا؛ فحررهم الرسول
صلى الله عليه وسلم من ذلك تطهيرًا للظاهر.
كما كانوا يتحرجون من السعي بين الصفا
والمروة؛ بسبب الأصنام التي كانت عليهما،
فأزالها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبيَّن محمد صلى الله عليه
وسلم أن زوال الأصنام أعاد الأرض إلى
أصلها، وطهَّر الأوطان والبيئات من كل ما
يخالف الشرع. كما وحَّد الحج المسلمين في
رمي الجمار؛ لمقاومة كل الشرور التي تريد
أن تتمكن من المسلم. فكأن الحج ثورة على
الشرك، وهو ما ينبغي أن يحدث للحجاج في
الحج ظاهرًا وباطنًا، ويحدث لغير الحجاج
بقدر ما تسمح ظروفهم الحياتية".
يربي المسلم من جديد
أما الدكتور محمد متولي
منصور، الأستاذ بجامعة الأزهر فيقول: "نجد
في فريضة الحج بالذات تكثيفًا لهذه
المعاني منذ اللحظة التي يفكر المسلم فيها
في أداء هذه الفريضة. إذ يشترط العلماء قبل
الحج أن يطهر الإنسان قلبه، فيتوب توبة
خالصة نصوحة، ويرد المظالم إلى أهلها".
فالغاية من الفريضة تطهير
القلب والنفس من كل خبيث، وهو ما يصوره
حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من
حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم
ولدته أمه".
ولذا يجب على وافدي بيت الله
الحرام أن يعملوا جاهدين على تنقية
قلوبهم، وانتهاز فرصة الحج؛ لنيل رحمات
الله ومغفرته. فيستيقظ ضمير الفرد المسلم،
وينجح الحج في تربية المجتمع المسلم على
الطهر والنقاء.
ويتابع د. منصور: "إذا لم
ينتهز الحاج فرصة أدائه النسك ليطهر قلبه؛
تسقط عنه فريضة الحج. فمن مقاصد الشريعة
الإسلامية تحقيق الحكمة الربانية التي
أرادها الله من أداء هذه فرائضه. وفي الحج
يركز القرآن في أكثر من موضع على قيمة
الذكر عند أداء النسك؛ لتطهير القلوب،
وترطيب الألسنة.
يقول تعالى: {وَأَذِّن فِي
النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً
وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن
كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ * لِيَشْهَدُوا
مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ
اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى
مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأنْعَامِ
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا
الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج: 27 - 28).
فلو تذكر الحاج وهو يلبس
ملابس الإحرام اللحظة التي سيخرج فيها من
دنياه، ولو فكَّر وهو يطوف تردده بين يدي
رب العباد يوم القيامة، أثناء الحساب
والجزاء، ولو تذكر وهو يقف على عرفات
تجرده من زينة الحياة الدنيا وألفته
ووحدته مع بقية الحجيج على اختلاف ألوانهم
ولغاتهم، ولو تذكر وهو يذبح الهدي أنه
يقدم روحه وهي أغلى ما يملك فداء للدين.
ولو تذكر وهو يحلق أو يقصر
أنه لا يذهب الأذى عن رأسه وإنما يستجلب
مغفرة الله لكل شعرة من رأسه، لو استحضر
الحاج كل هذه المعاني وهو يؤدي المناسك
لأدرك قيم الوحدة والتآلف والتقوى
والرحمة والتراحم. وهي معاني هامة لتمام
الإيمان، ويعود المسلم من حجه وقد تزود
بأخلاق سامية وروح إيمانية عالية؛ نحتاج
إليها في ظل عالم ودَّع القيم وتنكّر
للمبادئ والأخلاق".
نزع ملابس الأعوام
الماضية
يؤكد الدكتور منيع عبد
الحليم محمود، عميد كلية أصول الدين
بجامعة الأزهر سابقًا أن الحج رحلة مع
الله قبل أن تكون رحلة لأداء المناسك. ولا
يعني ذلك التقليل من أهمية أداء المناسك
التي أمر الله بها، لكن الله جعلها سبيلاً
لإيجاد الصلة القوية مع الله سبحانه
وتعالى؛ حتى يصبح الإنسان روحانيًّا
ربانيًّا، فيكون من الله وإلى الله وبالله.
ويضيف منيع: "يجب على
الإنسان قبل الحج أن يتوب إلى الله توبة
نصوحًا؛ من كل ما اقترفه من الذنوب"،
المادية والمعنوية. فينزع عنه ملابس
الأعوام الماضية بكل ما ارتكبه الإنسان من
آثام وذنوب، ويرتدي ملابس الإحرام
النقية، كنقاوة قلب الحاج بعد المغفرة.
وعلى الحاج أن يرد كل ما عليه من مظالم
للناس".
ويشدد الدكتور منيع على
ضرورة أن يصفي الحاج قلبه لله عز وجل،
فيبدأ من الصفا بصفاء النفس مع الله، ومع
مجتمعه، وسلام مع العالم. ومن الصفاء إلى
السعي بين الصفا والمروة. مشيرًا إلى أن
"هناك حجًّا روحيًّا أشار إليه الإمام
الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود؛ عندما
سأله أحد الحجاج قائلاً: (هل ثواب الحج على
قدر المشقة؟، فرد عليه قائلاً: بل على قدر
الإخلاص)".
قلوب غير الحجاج
ولا يعقل أن يقتصر ثواب الحج
على الحجاج، وألا تمتد يد المغفرة إلى
المسلم الذي لم يستطع أن يدبر نفقات
ومستلزمات الحج. فالباب مفتوح لكل امرئ
أراد الله بقلبه، وهانت عليه ذنوبه، وأراد
أن يذكره الله فيمن عنده.
وعن تحقيق معنى الحج الروحي
لمن لم يحج؛ يقول الدكتور محمد متولي
منصور: "إن من لم يكتب له الإحرام والحج
مع الحجيج؛ بإمكانه أن يحج بقلبه وروحه
معًا. فعندما يتابع أداء الحجاج لمناسكهم؛
عليه أن يوقن أن الله سيغفر بإذنه للحجاج
ولمن استغفروا لهم.
إذ من بين دعاء النبي صلى
الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للحاج ولمن
استغفر له الحاج". وليوقن المسلم أن
الحجاج إذا كانوا في البيت الحرام يلبون؛
فإن المسلمين في بقاع الأرض يكبِّرون من
يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق؛ مشاركة
منهم للحجاج في القيم الإيمانية؛ ليعم
الثواب وتنقية الأرواح. وكأنهم حجوا حجًّا
قلبيًّا وروحيًّا إلى أن يأذن الله لهم".
ويختتم الدكتور عبد الحكم
الصعيدي: "يكتب لمن لم يحج وقلبه معلق
بالحج؛ حجة عند الله؛ لأنه لم يدخر وسعًا
في السعي لتحقيق أمنية الحج. ومما يؤكد أن
العبد إذا أخلص بقلبه لعمل ولم يؤده كُتب
له؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم
لأصاحبه وهو يؤدي إحدى الغزوات: "إن
بالمدينة رجالاً ما قطعتم واديًا، ولا
سلكتم طريقًا إلا شركوكم في الأجر، حبسهم
العذر"، وصدق عليه الصلاة وأزكى السلام
عندما أخبرنا أن نية المرء خير من عمله. |