آخر تحديث:الأحد23 ذو الحجة 1426

ابحث

أمة واحدة


موسم الحج وبناء السوق الإسلامية المشتركة

2005/12/26

دكتور حسين حسين شحاتة**

الحج فريضة تعبدية عقدية وفيه منافع سياسية واقتصادية واجتماعية.. والكل مرتبط بغاية الغايات وهي عبادة الله سبحانه وتعالى وتطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في كافة نواحي الحياة حتى يحيا المسلمون حياة رغدة عزيزة كريمة في الدنيا، والفوز برضاء الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

ولقد أشار الله -سبحانه وتعالى- إلى ذلك في سورة الحج فقال: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا بالبائس الفقير} (الحج: 28)، ولقد ذكر المفسرون أن من بين هذه المنافع ما هو متعلق بالتربية الروحية، ومنها ما هو متعلق بالقوة السياسية، ومنها ما هو متعلق بالتنمية الاقتصادية، ومنها ما هو متعلق بالتنمية الاجتماعية، ومنها ما هو متعلق بالنصرة الجهادية.

ومن بين المنافع المأمولة من موسم الحج التنمية الاقتصادية للأمة الإسلامية، ومن بين أساليبها زيادة المعاملات بكافة صورها بين المسلمين حتى تكون خيرات المسلمين للمسلمين، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال تطبيق مفاهيم وأسس وآليات السوق الإسلامية المشتركة والتي وضع بذرتها وقواعدها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما هاجر من مكة إلى المدينة وبقيت للمسلمين سوقهم، وسار على نهجه الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم- ومن ساروا على نهجهم من الأمراء والرؤساء والخلفاء الصالحين الملتزمين بشرع الله.

واقع المعاملات الاقتصادية بين العالم الإسلامي!

لقد عقد في مكة المكرمة بجامعة أم القرى في شهر يونيو 2005 الماضي المؤتمر العالمي الثالث للاقتصاد الإسلامي، وكان من بين محاوره تقويم واقع المعاملات الاقتصادية بين دول العالم الإسلامي، وخلصت الأبحاث والمناقشات إلى أن حجم هذه المعاملات لا يزيد عن 7%، وأن 93% منها تتم خارج نطاق هذه الدول...، ومن بين الآثار السلبية لذلك أن دول العالم الإسلامي تعيش عالة على غيرهم في: الغذاء والملبس والعتاد والعلاج والتعليم والمعلومات ونحو ذلك، وهذا هو الواقع، ولقد ازداد الأمر خطورة بعد تطبيق اتفاقية الجات والعولمة والتجارة الإلكترونية.

ويرجع ضعف المعاملات الاقتصادية بين دول العالم الإسلامي إلى أسباب شتى منها ضعف رابطة الأخوة والحب والود والتكافل والتضامن والإيثار بين المسلمين، بالإضافة إلى التشرذم والاختلاف بين حكامهم وانشغالهم بالمحافظة على كراسي الحكم بكافة الوسائل والسبل حتى ولو كانت بطرق غير مشروعة تطبيقًا للقاعدة المكيافيلية التي تقول "الغاية تبرر الوسيلة"، وكان من آثار ذلك أن أصبحوا جميعًا أذلاء لأعدائهم، ولقد حذرهم الله من ذلك في قوله: {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} (الأنفال: 46)، وصدقت فيهم نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "... ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط عليهم عدوهم من غيرهم فأخذ بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز وجل وينظروا فيه إلا جعل الله بأسهم بينهم" [رواه ابن ماجه].

إن معظم الدول الإسلامية الآن تعيش تحت مستوى الفقر، وما نراه في اليمن وأفغانستان وبنجلاديش ومصر والأردن وغيرهم من البلاد الإسلامية ليس عنا ببعيد، وهذا بسبب تصرفات حكامهم.

إن هذا الواقع الخطير يوجب على كل مسلم أن يراجع معاملاته ويضع تجارته في السوق الإسلامية المشتركة، ويحرص أن يضع درهمه وديناره في يد مسلم.

فرصة تفعيل أمل السوق الإسلامية

يعتبر موسم الحج أكبر تجمع تشهده بقعة من بقاع الأرض، وهذا التجمع فرصة لتحقيق العديد من المنافع ومنها تفعيل المعاملات الاقتصادية على مستوى حكام دول العالم الإسلامي، وعلى مستوى رجال الأعمال، وعلى مستوى المستهلك المسلم، حتى ينتفع المسلم من أخيه المسلم، وفي هذا المقام نتذكر قول خليفة المسلمين هارون الرشيد -رحمه الله- الذي نظر إلى السحابة وقال لها: "أمطري في أي مكان فسوف يأتيني خراجك".

ومن الأشياء التي تساهم في بناء قواعد السوق الإسلامية المشتركة في موسم الحج على سبيل المثال ما يلي:

* إقامة المعارض لمنتجات وخدمات الدول الإسلامية.

* تنظيم مؤتمرات رجال الأعمال في دول العالم الإسلامي.

* تنظيم المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي في مجال التطبيق.

* تنظيم المؤتمر العالمي للمؤسسات المالية ودورها في بناء السوق الإسلامية المشتركة.

* تنظيم المؤتمر العالمي لتنظيم المعلومات الاقتصادية لدول العالم الإسلامي، ونحو ذلك.

إن تحقيق أمل الأمة الإسلامية في تفعيل بناء السوق الإسلامية المشتركة لن يتحقق في يوم وليلة، ولكن يتطلب التدرج؛ إذ يبدأ من التعارف الاقتصادي، يليه التعاون والتنسيق الاقتصادي، يليه الاتفاقيات الاقتصادية المرحلية، وهكذا إلى أن تتم نعمة الله بتحقيق السوق الإسلامية المشتركة وتعمّ الخيرات على المسلمين حكامًا وأفرادًا.

من ثمرات تفعيل أمل السوق الإسلامية

تمتلك دول العالم الإسلامي كل مقومات القوة الاقتصادية، ومنها: العنصر البشري الذي يجمع بين القيم الإيمانية والأخلاقية وبين المهارة الفنية إذا توفر له مناخ الحرية والعدل، ورءوس الأموال ولا سيما عند الدول النفطية والمخزنة في بنوك العالم غير الإسلامي إذا ما توفر لها الأمن والحرية، والمواد الطبيعية التي تحت الأرض وفوق الأرض وما بينهما، والأسواق الكبيرة المنتشرة والتي يتعامل فيها أكثر من مليار ونصف المليار من المسلمين، والابتكارات المعاصرة في بعض الدول الإسلامية المتقدمة تكنولوجيًّا، فهل استغلت هذه المقومات استغلالاً رشيدًا ليحصد ثمارها المسلمون ونجني خيراتها؟

إن تفعيل دور موسم الحج في تنمية العلاقات الاقتصادية بين دول العالم الإسلامي سوف يجني منه العديد من الثمرات، نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر ما يلي:

* حماية ثروات الأمة الإسلامية من الابتزاز والاغتصاب والاعتداء والنصب من غيرها.

* تحرير المعاملات الاقتصادية للأمة الإسلامية من التكتلات والمعاهدات الأجنبية.

* حماية احتياجات الأمة الإسلامية من قرصنة الاحتكارات الأجنبية.

* تنمية مواطن القوة الاقتصادية لتحديات العولمة والجات.

* علاج مشكلة البطالة والفقر في دول العالم الإسلامي الفقيرة.

* تحقيق التنمية الاقتصادية الفعالة على أسس الاقتصاد الإسلامي.

* تحقيق التكامل الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي.

* تحقيق الاستقرار السياسي، وتجنب ما يسمى بالإرهاب الاقتصادي.

بالإضافة إلى ما سبق سوف تتحقق البركات في الأرزاق من خلال تطبيق شرع الله مصداقًا لقوله تعالى: {وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقًا} (الجن: 16).

ألم يأن للذين آمنوا أن يفعلوا ذلك؟!

إن مسئولية إقامة السوق الإسلامية تقع أولاً على حكام ورؤساء وأمراء الدول الإسلامية، "فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وإن تقاعس هؤلاء فيجب على العلماء والفقهاء والدعاة القيام بتبصيرهم بأهمية وفرضية هذه السوق، كما يجب على رجال الأعمال والمستهلكين أن يوقنوا أن تعامل المسلم مع المسلم أولى ويثاب على ذلك ويأثم عندما يخذل أخاه المسلم، فهل نستطيع أن نقيم السوق الإسلامية في معاملاتنا لتكون واقعًا في أمتنا ويكون للمسلمين أستاذية العالم؟ ليس ذلك على الله ببعيد إن طبقنا أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

نداء إلى أولي أمر دول العالم الإسلامي:

نوجه إليكم النداء القرآني:

{واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا} (آل عمران: 103)

{إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} (الأنبياء: 92)

ونذكركم بوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

* "... آمركم بخمس الله تعالى أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة، فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه إلا من يرجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو في جهنم، فقال رجل: وإن صام وصلى يا رسول الله؟! قال: وإن صام وصلى، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين والمؤمنين عباد الله تعالى" [أخرجه الترمذي وابن حبان والحاكم].

* "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم" [متفق عليه].

* "من كان معه فضل ظَهْر فليَعُد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليَعُد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى إنه لا حق لأحد منا في فضل" [رواه مسلم].


** الأستاذ بجامعة الأزهر، وخبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية.

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع