|
ما
زال "المسلمون في أوربا" من أبرز
ملامح الحديث عن الإسلام في هذا
الواقع المعاش، خاصة بعد هذا التمازج
الذي أحدثته العلاقات بين الدول،
وذبول الفكرة التاريخية التي كانت
تقسم العالم إلى قطبين: دار الحرب
ودار الإسلام، بل أضحى العالم -بعيدا
عن المعتقد الرئيسي للبلد- متباينا
ومتداخلا بين فكرة الإسلام والحرب،
فقد يجد المسلم حياته آمنا مطمئنا في
إظهار شعائر دينه في بلد غير مسلم، في
الوقت الذي لا يأمن فيه على نفسه،
وعلى إظهار كثير من شعائر دينه في بلد
يرفع راية الإسلام، وهو ما يحدث خللا
في تقسيم هذا العالم، ويجعلنا ندخل في
عالم آخر.
كما
أن عيش المسلمين في أوربا يولد لنا
كثيرا من التساؤلات حول نتيجة هذا
الامتزاج والتعايش، هل ذابوا أم
أثروا فيمن حولهم؟ وما دور المسلمين
في هذه البيئات الجديدة؟ وما الذي
يقدمه الإسلام لهم؟ وكيف ينظر
المسلمون للعيش في هذه المجتمعات؟
وما دور المؤسسات الإسلامية
والتيارات الإسلامية للتعريف بهذا
الدين؟
كل
هذه التساؤلات طرحتها على فضيلة
المفكر الإسلامي الشيخ
راشد الغنوشي
وهو
من أكبر الدعاة بأوربا، عضو المجلس
الأوربي للإفتاء والبحوث.
حاورت
الشيخ الغنوشي بهذه التساؤلات وغيرها
في دبلن عاصمة أيرلندا، أثناء انعقاد
الدورة الثانية عشرة للمجلس الأوربي
للإفتاء والبحوث.
وإليكم
نص الحوار:
فضيلة
الشيخ، بحكم إقامتكم في الغرب، ما
الدور الذي ترونه واجبا على المسلمين
في بلاد الغرب؟
-
المسلمون في كل مكان يجب عليهم أن
يحفظوا دينهم، فهو عماد حياتهم
وبقائهم، والعاصم لهم من كل سوء،
ويتأكد هذا في حق الأقليات المسلمة
حيثما كانت، باعتبار أنها تعيش في
بيئات ذات ثقافات مباينة للإسلام،
الأمر الذي يجعل المحافظة على دينهم
من الأولويات في حياتهم، خاصة ما
يتعلق بأبنائهم من الأجيال الجديدة
التي ترعرت خارج البلاد، وأشربت
ثقافة غير إسلامية منذ نعومة
أظفارهم، وهو ما جعلهم مهددين
باندماج وذوبان شخصيتهم، وهذا ما حدث
لكثير من أبناء المسلمين، بل أصبحوا
سمادا في التربة الغربية، خاصة
النموذج الفرنسي الذي يراهن على هذا
الاندماج، ولا يترك من الشخصية
القومية إلا الألوان، أما البواطن
والمشاعر فلا، فكيف لهذه الأقلية أن
تحافظ على دينها، فهذا تحدٍّ كبير،
تحدٍّ وجودي.
ثم
يأتي بعد ذلك بعض الواجبات، كيف يدعون
لدينهم، وكيف يساهمون في خدمة
القضايا العامة كقضية العراق
وفلسطين، لكن هذه قضايا ستأتي بعد
كنتيجة طبيعية للحفاظ على دينهم.
إذا
كان الحال كذلك، فكيف ترون المحافظة
على الهوية الثقافية الإسلامية داخل
المجتمع الأوربي؟
-
يشكل المسجد ولا شك المحور الأساسي
لتأسيس الشخصية الإسلامية، فالمسجد
له دور أساسي في العبادة والتعلم، وله
أغراض اجتماعية، فهو للأقلية المسلمة
كل شيء تقريبًا في حياتهم، ففيه تقام
الأفراح والمآتم، وتتأسس داخله الأمة
الإسلامية، فهو المصنع الذي تتأسس
فيه الشخصية الإسلامية، ويلحق به بعض
المدارس التي تعلم اللغة العربية،
وينبثق عن المسجد أيضا مجموعة من
المناشط الشبابية والاجتماعية... إلخ،
فهو مركز الثقل في حياة الأقلية
المسلمة، حتى إن الحكومات الغربية
حين أرادت أن تنظم حياة المسلمين لم
تجد غير المساجد، مثل بلجيكا وفرنسا،
فبدأت الإحصاءات عن أعداد المسلمين
من خلال المساجد، حتى المؤسسات التي
تمثل المسلمين هي تابعة للمساجد؛
لأنها انطلقت منذ التأسيس من
المساجد، بل الذي لا يتردد على المسجد
لا يعتبر من هذه الأقلية.
إذا
كان المسلم يعيش في الغرب فهو يتنازعه
أمران، أولهما محافظته على دينه،
وثانيهما إظهار نوع من الانتماء
للبلد الذي يعيش فيه، فكيف يوفق
المسلم بين الانتماء للدين والانتماء
للوطن؟ وهل هناك تعارض بينهما؟
-
المواطنة تعني التوطن في الأرض،
والمواطنة للمسلمين في الغرب جزء من
حياتهم، وهي مدخل لتسوية أوضاعهم،
لكن البعض منهم يظل يحدوهم شعور
بالغربة، ويحدوهم أمل للعودة بعد
الإحالة على المعاش، ومنذ السبعينيات
ونحن نحاول أن نقنع المسلمين أن
يتخلوا عن هذا الوهم، وأن يعتبروا أن
هذه الأرض وطنهم، وأن يؤسسوا
لمستقبلهم ومستقبل أولادهم فيها، وقد
كان هناك عدد من المسلمين يعيشون في
حالة فقر في بلاد أوربا، بينما يبنون
"الفِلَل" في بلادهم، فكنا نقول
لهم: هذه فلل ستسكنها الفئران،
فأبناؤكم لن يعودوا ليسكنوا فيها؛
لأن الهجرة هي الانتقال إلى الأفضل
دائمًا.
" بلاد الإسلام هي التي تعلن فيها دينك، وتعيش فيها بكرامتك. |
|
فكيف
يفك الإسلام هذا التمزق بين الحنين
للبلد الأم، وبين الاستقرار في
البلاد التي تعيش فيها حتى تستقر،
فبلاد الإسلام في الحقيقة هي التي
يمكن لك أن تعلن فيها دينك، وأن تعيش
فيها بكرامتك، والمسلمون في الغرب
يرون أن شروط بلاد الإسلام تتحقق بشكل
أكبر في البلاد التي يعيشون فيها عن
تلك البلاد الأصيلة التي تعتبر جزءًا
من بلاد الإسلام.
هل
ترون أن فكرة (الغرب بلاد حرب) ما زالت
مسيطرة على كثير ممن يعيشون في تلك
البلاد؟
-
فكرة دار الحرب ودار الإسلام مرتبطة
بظرفها التاريخي، وليست ملزمة للفكر
الإسلامي، وليس فيها نصوص من الشرع،
إنما ظهرت لأنه لم يكن هناك قانون
دولي يحكم العالم، بل كان قانون القوة
هو الحاكم، وليست كل علاقة خارج البلد
الذي نعيش فيه تصبح علاقة حرب، لكنها
بعض هذه البلاد، كما هو الحال بين
العرب وإسرائيل، ولكن ليس المسلمون
في حالة حرب مع 180 دولة في العالم.
" فكرة دار الحرب ودار الإسلام ليست ملزمة للفكر الإسلامي. " |
|
فهناك
دول يحدث بينها وبين البلاد
الإسلامية تبادل دبلوماسي وتجاري
واقتصادي، فهذه تسمى "ديار عهد".
فمفهوم
دار الإسلام ودار الحرب مفهوم
تاريخي، فكل دار يأمن فيها الإنسان
على نفسه وعرضه ودينه، فهي دار إسلام،
بل قد تكون الإقامة في هذه البلاد
أولى من بعض ديار الإسلام التي يُضطهد
فيها المسلمون.
فبعض
البلاد -كتونس مثلا- تمنع الحجاب،
بينما معظم البلاد الغربية تعتبر هذا
من الحرية الشخصية.
ما
تقييمكم للعمل الإسلامي في الغرب
خلال الفترة السابقة؟
-
قد يؤخذ على العمل الإسلامي بعض مظاهر
الضعف، وهذا ناتج عن نقل أساليب شرقية
إلى بلاد الغرب، وهو ما قد ينتج عنه
نقل مشكلات أكثر من حلول، وخاصة ممن
يرون أن الغرب دار حرب، فيستحلون
الانتفاع بما فيه من خيرات، دون تقديم
خدمات له، لكن على كل، فالعمل
الإسلامي له ثمراته وله سلبياته.
ما
الرؤية المستقبلية التي ترونها
للإسلام في الغرب؟
هناك
كثير من الأخطار التي تهدد الإسلام في
الغرب، أهمها الجهات الصهيونية التي
تعلن في أكثر من مؤتمر أن وجود
الإسلام في الغرب يهدد مصالحها،
ويصورون أن المسلمين هم سبب العداء
والإرهاب الذي يكتسح الغرب، لكن
كثيرًا من الغرب يعتقد أن الخطر الذي
يهدد السلام الحقيقي هو إسرائيل.
"العمل الإسلامي في الغرب يحقق قفزات من النجاح. " |
|
ومع
كل هذه المخاطر، فإن العمل الإسلامي
في الغرب يحقق قفزات من النجاح،
والمسلمون يدركون يوما بعد يوم
واقعهم الذي يعيشون فيه، خاصة الجيل
الثاني الذي يرى الغرب وطنه الذي ولد
فيه، فهو أدرى بالواقع من غيره، وهو
كذلك أدرى بأساليب المعايشة والدعوة.
ما
دور التيارات الإسلامية في تفعيل
الوجود الإسلامي في الغرب؟
-
إذا كنا نبحث عن دور للتيارات
الإسلامية في الغرب، فيجب اعتماد
تيار الوسطية؛ لأنه أنسب التيارات
للفطرة الإنسانية في الغرب، فهو الذي
يستطيع أن يتعايش ويكون منتجًا،
ويتفاعل مع من حوله، وينبغي أن تتفاعل
هذه التيارات مع الجاليات المسلمة،
ومع غير المسلمين، وأن يكونوا مصابيح
هدى، ينيرون لغيرهم الطريق، وأن يدعو
للإسلام بالحسنى والموعظة الحسنة.
يقابل
المسلمون كثيرًا من المشكلات في
حياتهم، وبعض المزالق في دعوتهم، فما
السبل التي تساعد المسلمين على تجنب
مثل هذه المزالق والمشكلات في الغرب؟
-
(وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ
هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
فواجب على المسلمين أن يعتصموا
بدينهم، وأن يتعمقوا في معرفته، وأن
يثقفوا شبابهم به، وأن يهتموا
بتربيتهم وتربية نفوسهم، ولا شك أن
المسجد يعتبر أهم مؤسسة محورية،
فيوسعوا نشاطها، لتستوعب الشباب
والفتيات، والكبار والصغار، والنشاط
الثقافي والاجتماعي، وأن يتجنبوا
فكرة التشدد لأن فكرة التشدد قد تأتي
على الأخضر واليابس، وألا تسيطر
عليهم فكرة التكفير فيما بينهم، أو في
المجتمعات التي يعيشون فيها، كما يجب
عليهم أن يتخذوا من الحوار والأساليب
القانونية سبيلا لحل المشكلات، وأن
يعرضوا عن أساليب العنف الفكري
والعملي لأن ذلك محرقة للعمل
الإسلامي، وألا يستعجلوا قطف الثمرات
فستحصدها الأجيال القادمة إن شاء
الله، وأن يعتصموا بالرفق في التعامل
فيما بينهم، ومع جيرانهم ومواطنيهم،
وأن يلتزموا القانون فهو جزء من عهدهم
مع الله سبحانه وتعالى وجزء من
التزامهم الديني ومحافظة على الأمن
العام والسلام العام في البيئات التي
هم فيها، وأن ينتصروا للقضايا
الإسلامية من خلال ما تسمح به
القوانين.
كانت
ظاهرة الدعاة الجدد -ولا تزال- من أبرز
الملامح في هذه الآونة، وقد كان لها
أثر في الشرق والغرب، فما تقييمكم
لهذه الظاهرة؟
"الدعاة الجدد ظاهرة صحية، وتبشر بخير ويرجَى منها ثمرات طيبة. " |
|
-
إذا كان المقصود بظاهرة الدعاة الجدد
أنهم مجموعة الشباب الذين فهموا
دينهم وقدموه بأساليب معاصرة وبسيطة
وواضحة ومشوقة، وقدموا نموذجا
للإسلام العصري، أحسب أن هذا شاهد على
تجدد الإسلام وقابليته للتطور
والنمو، محافظا على جوهره، فهذه
ظاهرة صحية وتبشر بخير ويرجى منها
ثمرات طيبة.
من
المعلوم أن التيارات التي تعمل
للإسلام في الغرب ليست واحدة، وأن
بينها اختلاف، فهل يمكن جمع هذه
التيارات حول مظلة واحدة، وما السبل
الممكنة لهذا التوحد؟
-
كثيرا ما نعَى الدعاة الكبار -كشيخنا
القرضاوي- على هذه الجماعات التشرذم
والتفرق، فكل الأقليات تسعى للتوحد،
وتوجد السبل في هذا، إلا الأقلية
المسلمة، فربما كانت الضغوط الخارجية
لا تساعدها لكي تكون متقاربة، وهذه
ظاهرة مرضية، وهي انعكاس للعزلة التي
يعيش فيها عدد من المسلمين في الغرب
حاملين لبضائع من العالم الإسلامي ما
زالت متشبثة بهم حسب ما تشربوها في
بيئاتهم، وهذه ساعدت في عزلهم عن
بيئتهم الجديدة، فالخصومات الموجودة
في الشرق نقلت أيضا إلى الغرب كتلك
الخصومات بين السلفيين والتجديديين،
وخلافات ذات طابع حزبي موجودة في
العالم الإسلامي.
لكن
الأجيال الجديدة بدأت -إلى حد كبير-
تغادر هذا الغثاء، وتنفتح على حقيقة
المشكلات الموجودة في الغرب، وترى
أنه لا يمكن مقابلة التحديات التي
تقابل الوجود الإسلامي دون توحيد
الصف، حول ثوابت هذا الدين، وما يقابل
هذه الأقليات بكل طوائفها، لذلك بدأت
تظهر مؤسسات، ففي فرنسا هناك مجلس
يمثل المسلمين، وفي بريطانيا،
والمجلس الإسلامي الأوربي، وربما كان
الأمر في أمريكا أكثر تطورا، وأحسن
وضعا، باعتبار أن النخبة في الولايات
المتحدة أوسع وأرقى، فالوجود
الإسلامي في أمريكا يتكون من نخب،
بخلاف الوجود الإسلامي في أوربا الذي
يغلب عليه الطابع العمالي، وهو ما
يجعل توحدها قد يكون صعبا. لكن إلى هذا
تسير الأمور اليوم، وقد بدأ المسلمون
يشتركون في الانتخابات، وهذا
الاشتراك يجعلهم يبحثون عما يجمعهم؛
وبالتالي يطرحون على أنفسهم مشكلات
هذه الفئات الجديدة، مثل كيف يضمنون
لأنفسهم قيام مراكز ومدارس، وكيف
يضمنون العمل للأجيال الجديدة،
فيحملون المرشَّحين على تقديم خدمات
لهم مقابل تقديم أصواتهم لهم،
فيجمعون أصواتهم على أساس ما يجمع
المسلمين جميعا بعيدا عن الطوائف.
وفي
الحقيقة ليست هناك أمة لها قواسم
مشتركة مثل الأمة الإسلامية، لكن
المشكلة في العقلية المتخلفة التي
تركز على نقاط الاختلاف بدلا من
التركيز على نقاط الاشتراك، فنقاط
الاتفاق تمثل 90 بالمائة، ولكن
العقليات المتخلفة تترك الـ90
بالمائة، وتركز على الـ10 بالمائة،
ويؤسس على هذا الاختلاف الحرب
والقطيعة.
بوصفكم
عضوا في المجلس الأوربي للإفتاء
والبحوث: ما الدور الذي ترون أنه يمكن
للمجلس القيام به في تزكية العمل
الإسلامي في الغرب؟
-
المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث
مؤسسة حديثة، وأثمرها نمو العمل
الإسلامي لتلبية حاجة المسلمين إلى
أن يحلوا مشكلاتهم في بيئاتهم
الجديدة في إطار ثوابت الدين، ومعلوم
أن الفقه الإسلامي نشأ في أطوار
السيادة الإسلامية المطلقة تقريبا،
على حين أن هذه الأقليات اليوم
مستضعفة، فهل فقه التمكين قادر
بالضرورة على حل مشكلات الاستضعاف،
فأظن أن هذه الأخيرة تحتاج إلى فقه
يناسب مشكلاتها، بالنظر إلى أن
الإسلام صالح لكل زمان ومكان، وليس
مذهبا واحدا، وبالتالي فالمجلس يسعى
إلى أن يقيم الحوار والتواصل بين
النصوص الثابتة وبين واقع المسلمين
في الغرب، مستفيدا من كل التراث
الموجود في الفقه الإسلامي، وهناك
مهمة أساسية أيضا، وهي إضفاء الشرعية
على حياة المسلمين؛ لأن المسلم مطلوب
منه أن يستظل دائما بظل الشرعية
الإسلامية، فلا يخرج عنها أبدا، وهذا
يحتاج إلى فقه متجدد، فلا يعسر ولا
يقهر، ولا يجد نفسه في الحرج، (وَمَا
جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ
حَرَجٍ)، وهذا الفقه ليس بالضرورة أن
يكون فقه الرخص والضرورات، ولكن هذه
من أصول هذا الفقه.
اقرأ
أيضًا:
|