|
بعض الناس يجعلون من حياتهم
مهرجانات للمبالغة في الأقوال، والأفعال، وتجد أن الغالب في
أساليبهم "أفعل التفضيل"؛ فتسمع منهم دائمًا -أو غالبًا- مثل هذه
الكلمات: أكبر، أشد، أفظع، أكثر، مهم جدًّا، إلى حد لا يطاق،
بطريقة غريبة، لا يمكن احتماله، لم يفعل خيرًا قط، لا يحبه أحد على
الإطلاق، لم يسلم أحد من أذاه، لا يمكن الاستغناء عنه، مستحيل...
إلى آخر هذا القاموس الذي يصر
هؤلاء على إحياء جميع ألفاظه في كل تعبيراتهم، مهما كان الموضوع
المطروح للحوار.
ومن
وجهة نظري فإن هؤلاء إنما يلجئون إلى هذا النوع من أسلوب التحدث مع
الآخرين ليداروا به عوار النقص أو عدم القدرة البيانية الموضوعية
لأجل توصيل ما يريدون. وربما يكون السبب في اتخاذ هذا الأسلوب
-من ناحية أخرى-
الرغبة في لفت الأنظار والتلذذ بجذب انتباهات الآخرين، والارتياح
برؤية علامات الاستغراب على قسمات وجوههم، والشعور بالرضا عند رؤية
ردود الأفعال التي أريد لها أن تكون كذلك من قبل المبالغين في
إيصال المعلومات.
القرآن يعلمنا
الموضوعية
ولقد لاحظت
-كما يلاحظ معي الكثيرون-
أن أفضل كتاب في هذا الكون على الإطلاق القرآن الكريم، لا يعتمد
هذا الأسلوب،
وإنما الحاصل أن لفظة القرآن في سياقها وموضعها الذي نظمت فيه
تكتسب من الشحنات الدلالية والمعاني البيانية ما لا تكتسبه نفس
اللفظة حين توضع في نظم أو سياق مختلف.
وحتى لا يكون الكلام نظريًا..
خذ مثلا قول الله تعالى: "الم، ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين"؛
فربما يعبر أحدنا عن المعنى الذي ورد بالآية الكريمة بقوله: ذلك
كتاب لا شك فيه..
يهدي الضالين.
لكن الألفاظ في الآية جاءت في نسق يُكسبها
من الشحنات الدلالية والمعاني البيانية ما لا تكتسبه في غير هذا
السياق.
فكلمة "الكتاب" جاءت معرفة بالألف واللام،
أو ما يطلق عليها "أل"
الجنسية التي تعني أن القرآن الكريم هو الكتاب، ولا كتاب سواه في
هذا الكون أصح منه ولا أقيم منه ولا أوثق منه.
كما جاءت كلمة "المتقين"
بعد كلمة "هدى"،
وربما ينصرف التفكير إلى أن يكون السياق: هدى للكافرين.. لكن حقيقة
الأمر أن الكافر المعاند المصرّ
على كفره لا يمكن أن يهتدي بهذا الكتاب،
إنما يهتدي بالكتاب من نال قسطًا من الموضوعية في التفكير، والتقوى
في الأعمال، حتى وإن لم يكن -في
هذا الحين- على ملة الإسلام.
وأنت تلاحظ معي أن الآية جاءت دون أي لفظ من ألفاظ
المبالغة؛ مع أن المعنى قد اكتمل من خلال طريقة النظم وترتيب
الكلمات، وهو أسميه هنا بالأسلوب.
وربما لو أراد بعض المتحدثين
اليوم أن يخبر عموم الناس
عن معاني هذه الآية لوجدت
في خواطره أو "تفسيره" مجموعة غير قليلة من كلمات المبالغة التي لا
تجد إلى قلوب القوم طريقًا للتشبع بالمعنى،
وإن علموا في نفس الوقت بمقصوده.
والأحاديث تعلمنا
الاعتدال
من ناحية ثانية..
إذا تتبعت أسلوب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما
وجدت به شيئًا من هذه الظاهرة،
خذ مثلا حديث: "المؤمن
الذي يخالط الناس
ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على
أذاهم"، وقل لي بالله عليك: هل تجد فيه مبالغة؟ الحديث صحيح وثابت
بهذا اللفظ، أو بنحوه مما لا مبالغة فيه. فهل تجده حقق المعنى؟
مثال آخر:
عن عقبة بن عامر قال: خرج رسول
الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: "أيكم يحب أن يغدو كل
يوم إلى بطحان أو إلى العقيق (موضع) فيأتي منه بناقتين كوماوين في
غير إثم ولا قطع رحم؟" فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: "أفلا
يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل
خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع،
ومن أعدادهن من الإبل" [رواه مسلم. والكوماء من الإبل العظيمة
السنام].
حوار نبوي موضوعي تشويقي، ومع ذلك
يخلو من المبالغة.. سبحان الله!
وحينما أراد النبي الكريم أن يحثنا
على قراءة القرآن.. ماذا قال؟
"اقرءوا
القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه"
رواه مسلم. ما أبسط الكلمات، وما أغزر المعاني.
ولا أريد أن أستطرد في ذكر أمثلة
أكثر؛ فالأحاديث الثابتة كلها تؤيد هذه النظرية.
توجيهات من العلماء
من ناحية ثالثة.. إذا تصفحت كتابات
العلماء الذين ورَّثوا الأمة تراثا غنيا من العلوم والذخائر
والمعارف لا تكاد تجد في أساليب كتاباتهم هذا النوع من المبالغة
الممقوتة، اللهم إلا في عناوين بعض الكتب التي وضعها مؤلفوها في
مقام الرد على آخرين، أو في موضع تميز لم يسبقهم إليه أحد.
ويقول فضيلة الشيخ "علي عبد الخالق
القرني" في محاضرته القيمة بعنوان "على الطريق": احترِم الحقيقة،
وتَّجنَّب الإغراق في المبالغة؛ فهي قبيحة تشوِّه الحقيقة، تقرِّب
البعيد، وتُبعِد القريب، وتُظهِر غبشًا في الرؤية على الطريق، إنها
سماجة واستخفاف بعقل السامع، وسخرية من وِجدانه.. تهويل وتزييف
للواقع، شَطَطٌ وتفخيم وتضخيم ضد الحقيقة، بل عجز عن رؤية الواقع
عما هو عليه، وضَعف في النفس مشين".
ويضيف: "الإغراق في المبالغة سلبية
في حياة عامة الناس، وهي ظاهرة في سلوك المجتمع والأسرة، والفرد،
وقد تُعالَج بمثلها؛ داءٌ بداء فأين الدواء؟".
وينقل "القرني" واقعة تقول بأن
طفلا جاء مسرعًا نحو أمه قائلا: لقد وجدت في الحمام فأرًا يا
أمَّاه مثل الفيل! فردَّت عليه الأم مؤنِّبة له: قلت لك مليون مرة:
لا تُبالغ!
ويتساءل الشيخ: فقل لي بالله عليك:
أيُّهما أشد مبالغة؟ ألَيْس الطفل معذورًا فيما أخبر به أُمَّه؟
بلى، وحاله:
مَحَّضتني النٌّصحَ ولكنْ لستَ
تَعمَلُهُ
فَأنتَ أَوْلَى بِذَا مِنِّي عَلى
خَجَلِ!
ويقول: هذا على مستوى الأسرة
والعامة، وتلك -والله- فاقرة، وقبيحة، وقاصمة، لكنها في حق طلاب
العلم والأخيار ثَغرة كبيرة في جدران بنيانهم التربوي لا تكاد
تُسدُّ.
فَكلُّ كُسُوفٍ في الدَّرَارِي
شَنِيعَة
وَلكنهُ فِي الشَّمسِ وَالبَدرِ أَشنَعُ
ويوضح قائلا: إنها (أي المبالغة)
تظهر جليَّة مشينة بالحكم على الآخرين؛ قَدحًا ومدحًا؛ فهذا يمدح
ممدوحه، حتى يوصِلَهُ ذُرَا الجبال. فلا تزال تَسمعُ ما يلي: فلان
ابن تيمية عصره، وابن حَجَر زمانه، وبُخارِي أوانه، ليس له مثال،
عَلاَّمة فَهَّامَة، حتى إذا ما حصل أمر-أي أمر- تغيَّر، وتبدَّل،
وصار الأنف ذَنَبَا، نُصِبت له المجانيق، وأُرسِلت الصواعق،
وسُلَّت السيوف، ورُفِعت المَعَاول.. ومن قمم الجبال إلى حضيض
الإهمال، فإذا هو مارِد خرج من قُمقُمِه.. فإيَّاك وإيَّاه، لا
تتَّبِع أقواله؛ إنه غَاوٍ، مُضِل، مَارِق، مُعانِد، خَائِن، فاسِد
العقيدة، أشدُّ على الإسلام من اليهود والنصارى..
ويقول الشيخ متحسرا على هذه الحال:
حَيْفٌ، وظلم، وشَطَط، وجور، وعدم اتِّزَان، وتدمير جَنَان.
يَا عَينُ سِحِّي يا قُلُوبُ
تَفَطَّرِي يَا نَفسُ رِقِّي يَا مُرُوءَة نَادِي
إنْ دَامَ هَذَا وَلم يَحدُث لَهُ
غِيَرُ لَم يُبْكَ مَيْتٌ ولَم يُفرَحْ بِمَولُودِ
يَا مَعَشَر القُرَّاءِ يَا مِلْحَ
البَلَدْ مَا يُصلِحُ المِلْحَ إِذَا المِلْحُ فَسَدْ؟
رحم الله القائل
يوم قال: والله،
إنَّ الأُمَّة لن تأخذ مَوضعها بين الأمم
حتى تَضعَ الكلمة في
موضعها..
كَيفَ تَحيَا أُمَّةٌ قد
وَدَّعتْ كِلْمَةَ العَدْلِ وَلَم تَدَّكِرْ
ويستطرد قائلا: لتبتعد عن تهوين ما
لا يعجبك، وتهويل ما يعجبك؛ فإنَّك إن اشتُهرت بذلك فسيضطر صاحبك
لتفحُّص عينيك عند سماع جديد الأخبار منك. نعم إنَّ الحقيقة غالية
عند أصحاب النفوس القويمة، والعقول المستقيمة، ولو كانت في غير
صالحهم فهي -على مرارتها- ثمينة، أمَّا غيرهم فيخدع
نفسه ويخدع
غيره.
فَلا تَغْلُ فِي شَيء مِنَ الأَمرِ
وَاقْتصِد
كِلا طَرَفِيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمُ
بِالمِلْحِ نُصلِحُ مَا نَخشَى
تَغَيُّرَهُ
فَكيفَ بِالمِلْحِ إنْ حَلَّتْ بِهِ الغِيَرُ
صُوَرُ العَمَى شَتَّى
وَأَقبَحُهَا إِذَا
نَظَرَتْ بِغَيرِ عُيُونِهِنَّ الهَامُ
دَوَاؤُكَ مِنكَ وَلا تَشعُرُ
وَدَاؤُكَ فِيكَ وَلا تُبصِرُ
انتهت
كلمات
الشيخ.
وبعد..
فإنني
أستغرب حينما أجد بعض الخطباء يتحدثون عن موضوع عن الأخلاق
مثلا،
فتجده ينبه على أن هذا الموضوع في غاية الأهمية وأن الأمر خطير جدًّا
إذا تم التفريط فيه.. ثم حينما يتناول موضوعًا حول اليوم الآخر؛
تجده أيضًا ينبه على أن هذا الموضوع في غاية الأهمية، وأن الأمر
خطير جدًّا
إذا تم التساهل فيه.. ثم حينما يتناول موضوعًا في المعاملات أو في
الحث على العلم أو في العلاقة بين الزوجين.. تجده ينبه على أن هذا
الموضوع في غاية الأهمية،
وأن الأمر خطير جدًّا
إذا تم الإهمال فيه..
فقل لي بالله عليك: كيف يستقيم هذا؟!
والحق أنني لا أكاد أجد في كتب علمائنا
-في
كافة المصنفات- أمثال هذه الظواهر التي تصيب القارئ بالشد والجذب
دون فائدة علمية تذكر. بل إن علماءنا يفصلون الكلام في الموضوع
ببلاغة وفصاحة تبعث فيك الإعجاب والتقدير لهؤلاء لما بذلوا من جهد
وما ورثوا
من علوم.
ألا فلنبذل من
المجهود في أساليب الخطاب ما يحترم عقلية المتلقي دون إهمال ولا
مبالغة. |