إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

كيف نبني ثقافة المقاومة؟*

زينات أبو شاويش - 21/10/2003

تعيش الشعوب الآن مرحلة من الإحباط بحيث يبدو الفرد غير قادر على الدفاع عن نفسه؛ فالأخطار السياسية والاقتصادية والثقافية تحيط بالأمة من كل حدب وصوب، ومن هنا تأتي أهمية دور الداعية لكي يبث روح العطاء في جسد الأمة من جديد.

ولكن كيف يمكن لهذا الداعية أن يساهم في نهضة أمته من خلال بثه لروح المقاومة في النفوس؟

من هنا تأتي أهمية وجود مشروع متكامل يرتكز على المقاومة كخيار أساسي باعتبارها مسألة بقاء وليست اختيارًا للأمة، ومن ثَم يمكن أن نقول: إن مواجهة الوضع الراهن ومقاومته أو التصدي له أصبحت واقعًا حتميًّا يفرض نفسه على هذه الشعوب، وإن لم تستجب هذه الشعوب للسُّنة الكونية في إحداث تغيير جذري يقوم على العودة إلى الشريعة الإسلامية قولا وعملا؛ فسوف يتحقق وعد الله عز وجل: "وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم".

المقاومة بين الماهية والآلية

إن المقاومة هي ذلك النموذج النضالي الذي تستمد الشعوب منه قوتها، من أجل مناهضة الظلم بكافة أشكاله في مختلف العصور، وقد تطورت المقاومة كمفهوم سياسي وثقافي وشرعي -إذا أجزنا ذلك أيضًا- تبعًا للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تنشأ فيها وتبرز من خلالها، وفي ظل المتغيرات الدولية الصعبة التي تحيط بالأمة ظهرت العديد من المشروعات التفتيتية التي مزقت جسد الأمة الإسلامية، والتي انبثقت من خلال رؤى علمانية مغايرة لتاريخ هذه الأمة وحضارتها الحافلة بالوحدة والاتحاد.

وحتى الآن لم يتم الاهتمام بالمقاومة كمشروع حضاري له أسسه المنهجية وأدواته النظرية والعملية التي تستمد من خلال نهج شريعتنا الإسلامية، وتتسق مع واقعنا الحضاري الحديث تبعًا للظروف التي نحياها في هذا العصر في ظل المتغيرات التكنولوجية الحديثة، متحدية بذلك النموذج الغربي المغاير لحضارتنا العربية والإسلامية.

وقد ظهرت العديد من الإشكاليات في هذه الأيام تتعلق بماهية المقاومة وأنواعها ومدى مشروعيتها... إلخ، العديد من التساؤلات التي أملتها علينا الظروف الصعبة التي نحياها في ظل الظاهرة الاستعمارية الجديدة.

وفيما يتعلق بتعريف المقاومة نجد أنه حتى حول التعريف نفسه تدور تساؤلات؛ فهناك من يُعرِّفها على أنها شكل من أشكال المواجهة المدنية أو العسكرية من أجل دحر الظلم ومواجهته، وتحقيق العدل والسلام لأفراد المجتمع، ولكن هناك رأيا آخر يرى المقاومة التزامًا أخلاقيًّا لدى أفراد المجتمع لنيل حقوقهم المشروعة والتعبير عن آمالهم وطموحاتهم، والسعي للحصول عليها بأشكال متعددة، متحدية بذلك الأنظمة السياسية الحاكمة التي تعمل على النيل من حريات الشعوب، ومنعها من ممارسة حقوقها المشروعة التي تنص عليها الشرائع السماوية والدساتير الدولية. وقد تأخذ المقاومة تعريفًا أكثر شمولا عندما تتوفر لها البيئة المواتية، ولكي تحقق المقاومة أهدافها فإنها تأخذ أشكالا متعددة.

وقد يقودنا الحديث عن المقاومة المدنية إلى الحديث عن المقاومة العسكرية، ولكن كما ذكرت آنفًا لا بد من توافر البيئة المواتية؛ فالمقاومة المدنية تأخذ أشكالا عديدة ومتنوعة، وتتطلب أنواعًا من الإبداع الخلاق والمستمر، وهي تعتمد في الأساس على الأساليب اللاعنفية (أي الأساليب السلمية)؛ لذلك نجد أن المقاومة المدنية تحتاج لجهد عقلي وتنظيمي أكبر من المقاومة العسكرية؛ لأن هذا النوع من المقاومة يحتاج إلى جهد ووقت كبيرين، والأهم من كل ذلك هو وجود الشخصية القيادية التي تتميز بقدرات كاريزمية في تعاملها على مستوى الحدث والشعوب.

ثقافة المقاومة ضرورة حتمية

في خضم سياسة الأحداث التي تحيق بالأمة في ظل سياسة الاستعلاء التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية إزاء تعاملها مع قضايا الأمة العربية والإسلامية، والتي تحاول من خلالها فرض هيمنتها على مقدرات هذه الأمة.. تبرز المقاومة هنا لتصبح الخيار الوحيد من أجل مواجهة هذه السياسة الاستكبارية التي تريد من خلالها فرض سيطرتها على مقدرات هذه الشعوب.

ونتناول المقاومة هنا بمعناها الشمولي الذي يقوم على مناهضة الظلم وتحقيق العدل، مستخدمين في ذلك كافة الإمكانات، والعمل على زرعها في نفوس هذه الشعوب؛ لكي تصبح ثقافة المقاومة جزءًا أساسيًّا في حياتهم، يمكنهم من خلالها الحصول على حقوقهم وحرياتهم، ولن يحدث ذلك إلا إذا اعتبرنا المقاومة مشروعًا حضاريًّا يساهم فيه مفكرو الأمة ومثقفوها في إرساء قواعده وأسسه النظرية التي تقودنا إلى منهج عملي في التعامل مع ظروفنا الحالية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

ولذلك لا بد من توافر عدد من الإسهامات الفكرية المتنوعة التي تتخذ من المقاومة مشروعًا نهضويًّا تستند مرجعيته إلى روح شريعتنا الإسلامية، وتتسق أيضًا مع المتغيرات الحضارية التي نحياها في ظل هذه اللحظة التاريخية الراهنة، وذلك تأسيسًا على أن شعوب هذه الأمة في الأصل تجتمع أغلبها على دين واحد، متجاوزة بذلك حالة التجزئة القُطرية التي تحياها الأمة في الواقع المعيش، ولن يتحقق ذلك الأمر إلا بتربية شعوب الأمة على خيار المقاومة، وتقويم السلوك الفردي لهذه الشعوب من خلال التربية الإسلامية الصحيحة، وملء دائرة الفراغ الروحي والفكري لديهم، واستدعاء الخبرات التاريخية أمامهم التي نستلهم منها التجارب الناجحة التي تثري مشروعنا النهضوي، من أجل أن نبث في نفوس هذه الشعوب الأمل وتحقيق وعد الله في النصر، مصداقًا لقوله عز وجل: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم".

كما يجب أن ننوّه إلى أهمية تجاوز الواقع عن طريق ذكر المبشرات "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين".

وهنا قد يتبادر إلى ذهن القارئ سؤال: كيف يمكن أن ننشر أو ننمي ثقافة المقاومة في ظل أنظمة ديكتاتورية تعاني من خلل حقيقي في بنيتها السياسية؟؟ فهذه الحكومات تعيش حالة من التناقض بينها وبين شعوبها من جهة، وبينها وبين المصالح التي تمليها عليها الظروف الراهنة المحيطة بها من جهة ثانية؛ فكيف يمكن لهذه الشعوب أن تقاوم الاحتلال الأنجلو أمريكي أو الصهيوني للمنطقة، في ظل معاناة هذه الشعوب تحت وطأة حكوماتها المستبدة؟

وهنا أود أن أشير إلى أن اختزال مصطلح المقاومة في مناهضة المحتل أو المستعمر يعتبر اجتزاء لهذا المصطلح، بل وبتر لمعناه الشمولي؛ فالمقاومة يجب أن تكون داخلية متمثلة في التصدي للظلم والقهر الذي تعاني منه هذه الشعوب، ومقاومة خارجية تفرضها ظروف مكانية وزمانية معينة، ولن يحدث ذلك إلا بتربية جيل قادر على البذل والتضحية والعطاء، ويحضرني هنا قول الله عز وجل: "إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم"، فإذا نصرنا شريعة الله عز وجل في أنفسنا وفي حياتنا كان تحقيق الوعد من الله عز وجل لنا بالنصر.

هل ننتظر صلاح الدين؟!

إن الشعوب بمقدورها أن تفعل الكثير، ولكن كيف يمكن أن نحوِّل الإرادة السلبية لهذه الشعوب إلى إرادة إيجابية نستطيع من خلالها أن ننقلهم إلى دائرة الفعل الحقيقي؟

قد يقول البعض: لا بد من انتظار نموذج القائد الملهَم أو المخلِّص كصلاح الدين أو قطز. ويحضرني هنا تحليل هام للأديب والناقد عبد الله طنطاوي في إطار طرحه للتحديات التي تواجه المسلمين اليوم "بأنه كثيرًا ما يستشهد الدعاة والمفكرون بانتصارات صلاح الدين؛ ليدللوا على أهمية الروح الإسلامية في مواجهة هذه التحديات والأخطار، وهذا جيد، ولكن ما إن يخلص هؤلاء أن ما تحتاجه الأمة في معاركها الداخلية والخارجية اليوم هو قائد مسلم، يستلهم روح الجهاد ويعبئ الصفوف ويعلن المعركة فقط؛ فذلك فهم خاطئ له خطورته للأسباب التالية:

أولا: إنه يصطدم بالقوانين القرآنية التي تقرر أن التغيير إلى الأفضل أو الأسوأ لا يحدث إلا إذا سبقه تغيير جماعي يقوم به القوم لا الأفراد.

ثانيًا: إن هذا الفهم يصرف الأنظار بعيدًا عن الأمراض الحقيقية التي تنخر في جسم الأمة من الداخل، فتفرز فيها القابلية للتخلف والهزيمة، ويشغلها بالأعراض الخارجية الناجمة عن تلك الأمراض.

ثالثًا: إن هذا الفهم ينمي في نفوس القادة روح الفردية والانفراد بالتخطيط والتنفيذ، ويزجهم في صراع مع كل من يحاول المشاركة في الرأي والعمل؛ فينتهون إلى الفشل والإحباط، كما يستبعد هذا الفهم دور الأمة في المسئولية، ويشيع التواكل على القيادات وحدها، في انتظار ظهور القائد المخلص.

وهنا أود أن أشير إلى أن صلاح الدين أو غيره من القادة أو المصلحين ما هم إلا أفراد عاشوا مرارة ظروف قد تكون أشد في ضراوتها من الظروف التي نمر بها الآن، ولكنهم بدؤوا بأنفسهم في حملة التغيير من أجل إصلاح المجتمع والنهوض به، فقاوموا شهواتهم، وترفعوا عن صغائر الأمور؛ فعلت هممهم، وارتقت قلوبهم، وتبلورت لديهم رؤية متكاملة في النهوض بشعوب أمتهم من أجل مقاومة الغزاة والتصدي لهم؛ ففكرة انتظار المخلص والركون إليها فقط فكرة خاطئة؛ تصديقًا لقول الله عز وجل: "ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".

إن مقاومة النفس وبناءها هي أهم مراحل التقويم الإنساني من أجل النهوض بالمجتمع، ومن ثَم النهوض بالأمة.

وكنموذج للمقاومة الذي ما زال ماثلا أمام أعيننا هو المقاومة الفلسطينية؛ فقد وُلدت هذه الانتفاضة من رحم البسطاء من أبناء الشعب الفلسطيني، وقد كانت استجابة حقيقية لنداء الواقع الذي يعيشه أهلنا في فلسطين، والذي يتمثل في (الاحتلال، القهر، الظلم... إلخ)، وبرغم الفوارق الكبيرة في العدة والعتاد فيما بين قوات الاحتلال الإسرائيلي والشعب الفلسطيني فإن المقاومة الباسلة كبدت الاحتلال الإسرائيلي خسائر رهيبة، إضافة إلى أنها أفقدته حالة التوازن الأمني التي يدعيها، استنادًا منه على ترسانة الأسلحة المدعومة أمريكيًّا، محطمة بذلك نظرية الاستقواء التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، وقد كشفت المقاومة الفلسطينية منذ بداية الانتفاضة في سبتمبر 2001 حتى الآن مدى هشاشة العدو الصهيوني.

وبهذا يمكن أن ندلل على أهمية زرع نموذج المقاومة في شعوب الأمة جميعًا، واعتبارها روحًا تسري في جسد الأفراد والجماعات، وبالتالي يصعب إنهاؤها؛ فهي ليست مجرد تنظيم يمكن تفكيكه وتفتيته، ومن أجل ذلك لا بد من طرح ثقافة المقاومة باعتبارها مشروعًا نهضويًّا يهدف إلى إعادة صياغة بنية الفرد وفقًا لمتطلبات الحاضر وضرورات المستقبل، وهذا التغيير لا بد أن يبدأ من اللحظة الراهنة؛ فالبيئة النفسية لدى شعوبنا العربية والإسلامية أصبحت مواتية لتقبل ثقافة المقاومة، وذلك نتيجة حالة الاستقواء التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية على هذه الشعوب؛ فقد عمقت لديهم شعورًا حقيقيًّا يناهض هذه السياسة الإمبريالية المستندة على شريعة الغاب، وإستراتيجية الردع الاستباقي التي وضعتها حكومة الإدارة الأمريكية الحالية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.

إشكالية المقاومة بين الدين والقانون

وبالرغم من أن المقاومة حق مشروع أقرته كافة الشرائع السماوية والدولية؛ فإننا نجد أن علماء الدين في عصرنا الحالي ما زالوا في اختلاف حقيقي حول المقاومة ومفهومها ومدى مشروعيتها.

وفيما يتعلق بالرؤية القانونية للمقاومة فقد اعترف القانون الدولي صراحة بحركات المقاومة كهيئات دولية مشروعة، واعترف في ذلك بكل حقوق المحاربين، وأكثر من ذلك فقد اعترف للشعب القائم في وجه العدو بحقه في المقاومة حتى ولو لم يكن منظمًا.

ولكن من المفارقات الغريبة الرؤية الشرعية لفقهاء الأمة حول عملية المقاومة؛ فما زال هناك التباس حقيقي لدى هؤلاء العلماء فيما يتعلق بالمقاومة، ومدى مشروعيتها، وأذكر هنا نموذجًا لفتاوى فيما يتعلق بآرائهم حول العمليات الاستشهادية؛ ففي الوقت الذي اعترفت فيه القوانين الدولية بحق الشعوب في مقاومة المحتل نجد أن شيخ الأزهر يدين هذه العمليات، بل والأخطر من ذلك أنه يغير فتواه فيما يتعلق بالموضوع نفسه بين الحين والآخر، وهذا يؤكد لنا مدى سيطرة الأنظمة الحاكمة على رجال الدين، فلم تَعُد لرجل الدين سلطة حقيقة تنبع من إحساسه الحقيقي بالدور الملقى على عاتقه تجاه أمته وقضاياها، ومن ثَم فقدْ فقدَ علماء الدين ثقة شعوبهم فيهم؛ حيث أصبحت للسلطة السياسية السيطرة شبه المطلقة إن لم تكن المطلقة فعلا على هؤلاء العلماء.

إلا أن الله عز وجل قيَّض لهذه الأمة عددًا من علمائها تستهدي بآرائهم وتثق في اجتهاداتهم؛ حيث نجد -مثلا- فضيلة الدكتور القرضاوي يرفض موقف شيخ الأزهر، متسائلا: كيف للأزهر أن يجرِّم المجاهدين الذين يقاومون المحتل؟!! وبرّر العمليات الاستشهادية باعتبار أن الشعب الإسرائيلي عسكري في تركيبته.

نسأل الله الصبر والثبات والتوفيق.


* هذا المشروع هو نتاج أفكار مستخلصة من كتابات رجال الفكر والسياسة والفقه الذين قدموا أطروحات خاصة بمشروع المقاومة، وقد حاولت جاهدة أن أستكمل الرؤى لكي نخرج برؤية مكتملة للمقاومة على كافة الأصعدة، ولكن أترك الباب لكم لكي نستزيد من أقلامكم الفذة وآرائكم النيرة فيما يتعلق بهذا الأمر.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع