إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

علينا أن نساهم في الأطروحة الحضارية الجديدة

حوار: عبد الرحيم علي

هاني فحص

في حوارنا مع السيد "هاني فحص" المرجع الشيعي اللبناني الكبير كنا نود أن نطرح أسئلة ذات بعد سياسي، ولكننا فوجئنا به ينقلنا إلى "الأبستمولوجي"، محلقا بنا إلى آفاق استرجاع التاريخ بمكوناته المفصلية، بداية من عصر النهضة، وانقطاع الأسئلة حتى الدولة الحديثة وكسر موجة التواصل والحيلولة دون الارتفاع من مشروع الممانعة الذي صنعه "حسن البنا" مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، للمشروع المستقبلي الحضاري الذي كان من المفروض أن يبنى عليه دون التطابق معه باعتبار أن أهداف المشروعين مختلفة.

انتقل بنا السيد فحص إلى آفاق المستقبل. كيف نخرج حضاريا من هذه الأزمة المستفحلة، ببناء الذات أولا، عن طريق إعادة طرح أسئلة عصر النهضة بكل الإضافات التي عمقت السؤال وطورته، ووصولا إلى عصرنته بلغة القرن الحادي والعشرين، في محاولة لصوغ مشروع مشترك مع الآخر -الغربي- باعتبار أنه يعاني مثلما نعاني، وأننا يجب ألا نترك الآخرين يصنعون مستقبل العالم ونحن نقف كالمتفرج. ربما نساهم بأغلب الأطروحة المستقبلية وربما بجزء منها لكن يكفي شرف المشاركة.. حوار عميق يحتاج إلى قراءة هادئة ومتأنية، فهو إبحار صعب في عقل رجل يعرف أين وكيف يضع كلماته.

** سيد فحص.. بداية كيف يواجه الفكر الإسلامي تداعيات الحادي عشر من سبتمبر؟

- أولا يجب علينا أن نتفق على أن هناك التباسا لا بد من إزالته؛ فأنا في تقديري أن هذا الحدث هو حدث أمريكي صرف وبامتياز. بالطبع لا أمانع في التسليم بأن تكون "القاعدة" وأسامة بن لادن وراء الحدث، غير أن ذلك لا ينفي وجود خلل في الإدارة الأمريكية فيما يخص التعامل مع هذا الحدث ومعالجته، بمعنى أن العودة إلى المركزية وتعطيل الحريات والتصرف بعيدا عن القانون.. هذا خطر أساسي على الولايات المتحدة قبل أن يكون خطرا علينا. هذه واحدة، والأخرى هناك التباس منهجي؛ فهم يحاولون إلقاء المسئولية على الثقافة الإسلامية باعتبارها مرجعية الحدث، وبالتالي فهم يريدون إزالة الثقافة الإسلامية أو محوها، وهذا يقتضي محو العارف بهذه الثقافة؛ لأنهم لا يستطيعون رفع المعرفة أو محوها، وحيث إنهم لا يستطيعون قتل كل الناس "المسلمين" فهم يسعون لقتل إرادة الناس بإعادة الرهن أو الارتهان وجعله أكثر إحكاما من الماضي.

** ولكن -سيد فحص- الارتهان والاستحواذ كان موجودا قبل 11 سبتمبر، وربما يكون هو السبب وراء الحدث وليس نتيجة له؟

- أعرف هذا، فقد تنامى الاستحواذ إثر انتهاء الحرب الباردة ووحدانية الاستقطاب الأمريكي ومحاولات تهميش الدور الأوربي؛ فهي تحاول منذ زمن بعيد إلحاقنا -اقتصاديا وثقافيا- بها في إطار خططها للاستحواذ الكامل على المنطقة ومنع أي عملية تنمية ناجزة في هذا الجزء من العالم، وعندما حاولت "ماليزيا" تدبير طريق إسلامي شرقي نحو الحداثة الموصولة، بمعنى تحقيق تنمية شاملة تفسح الطريق لحوار عملي بين المعرفة والثروة وبين المعرفة والتنمية.. تم قطع الطريق عليها، هذا كله بالإضافة إلى أن سلوك دولتنا القطرية يدفع إلى توقع مساحات متعددة من العنف العشوائي العفوي، باعتباره نتاج أزمة؛ كما يحدث في الجزائر على سبيل المثال.

** بالرغم من أننا ما زلنا نتحدث عن أسباب الحدث فإنكم لم تقولوا سوى نصف الحقيقة؛ فهناك دور ممارسة الفكرة الإسلامية المرتهنة للماضي والمؤمن بمقولات نتائج لعصر مختلف، بالإضافة لعدم إسهام المفكرين الإسلاميين في إنقاذ هذا الفكر عبر تطويره ليتعامل برؤية عصرية!

- أنا أفهم هذا ويمكن أن أشترك مع غيري في وضع مشروع للتصحيح بالحوار والاحتجاج وبالاعتراف بالآخر، ولكن تظل البنية الأساسية لإنتاج دور الفعل من قبل الآخرين وبخاصة هذا المجتمع الحيوي الشبابي؛ فالشباب في الوطن العربي والإسلامي هم الأكثر عددا، ولكن أين الفرص التي أتيحت لهم ليحققوا دورهم الوطني وحياتهم ومستقبلهم؟ كل الأبواب أمامهم مسدودة. في نفس الوقت الدولة تزداد ترفا وفسادا وإفسادا وهي محمية من الغرب، وأنا أتساءل: ليس هناك استبداد تكويني -في تكويننا- وإنما هناك استبداد مستجد حديث وقديم تحت مظلة إسلامية وعلمانية. ولكن في رأيي أن بعض الأنظمة المستبدة غير الحداثية أو المرتبكة في حداثيتها أقل استبدادا من الأنظمة العلمانية. أعطني حاكما علمانيا عربيا غير مستبد؟ هذه إشكالية ذات سياق غربي. هناك شراكة أمريكية مع القاعدة وأسامة بن لادن، ونحن ندفع الثمن.

** سيد فحص، نريد أن نعرف أين يكمن الحل؟ كيف يمكن مواجهة هذه التداعيات سواء بن لادن شريكا لأمريكا أو الحكومات العربية مرتهنة لقرار الإدارة الأمريكية أو أنها لم تستطع تحقيق أدنى قدر من التنمية.. كل هذا مفهوم ولكن يبقى السؤال: كيف نواجه ذلك، حتى لا نفاجأ بوصول الكارثة لحجم لا يمكننا التعامل معه؟

- الحل في تقديري يجب أن يكون حضاريا.. يجب اللعب على شرط التعدد والتنوع؛ فالحضارة التي لا تعتبر الآخر جزءا من هويتها حضارة فقيرة. بعدها تصبح المسألة مسألة قضايا.. ففي تقديري إذا ساعدنا الغرب السياسي على إيجاد حل عادل للمشكلة الفلسطينية فإن كل التوترات الأخرى يمكن وضعها في سياق حواري بعيدا عن السجال أو الصراع. ومن هذا المنطلق أشير إلى أن الخلل لدينا في النظام المعرفي نفسه وهو ليس في المعرفة، "وإنما في العارف"، أي في كيفية فهمنا ومعرفتنا نحن بالإسلام. ففي رأيي: نحن قصرنا معرفته بداية من القرن الخامس الهجري عندما هجرنا كتب العلم والطبيعة وانكببنا على تجويد الذات بالذات وتفريع الفروع والتوسع في فقه العبادات وكأنه بديل لفقه الحياة. الآن لا بد من النهوض وإتاحة مساحة للحرية في المعرفة، وهذا حل يحتاج إلى صبر، ولكن مهم إذا أردنا أن نتخصص، لا بد لنا أن نفتح أعيننا على المستقبل البعيد؛ لأن هناك مشاكل كبيرة على الأبواب في انتظارنا. لا بد أن نطمح في تقديم أطروحة ثقافية مع الآخرين على أساس المشاركة والتكافؤ، ونغتنم التمايز الأوربي عن أمريكا. لا بد أن نغتنم هذه الفرصة وأن نقيم شراكة مع أوربا مع ملاحظة عدم القطيعة مع المجتمع الأمريكي والعقل الأمريكي، والتفرقة بينهما وبين الإدارة الأمريكية. يجب أن نتنبه إلى الظواهر التي نبتت في أمريكا وفي أوربا -نبتت بمفردها دون أدنى فعل منا- وهي تمثل وعودا ليست بالقليلة يجب العمل على التماس معها.

** ولكن لتسمح لي بالسؤال.. أين كانت هذه الأفكار عندما انطلقت موجات الصحوة الإسلامية في السبعينيات محتوية على أفكار شديدة التخلف أحيانا دارت مجملها حول المجتمع الجاهلي والغرب الكافر والحاكمية؟

- يا أخي كان يجب علينا أن نستكمل أسئلة عصر النهضة، الاستعمار في القرن التاسع عشر قطع السياق علينا وطرح علينا أمورا استغرقتنا.

** ولكن جاء بعد ذلك محمد عبده ومن قبله الأفغاني ثم رشيد رضا وحسن البنا

- البنا رد بمشروع ممانعة للهجمة الاستعمارية، صرخ "لا" في وجه مشروع التسليم، وكان مضطرا آنذاك لأن يقدم استنفارا أيديولوجيا حتى يمنع التساقط، وبالتالي حصل شيء من الجمود على هذه الممانعة، وكان يجب أن يطرح مشروعا يستثمر الممانعة ولكن لا يتطابق معها، يستوعبها ويتجاوزها في نفس الوقت متصلا مع أسئلة عصره.

** لماذا في رأيك لم يتم هذا المشروع؟

- التجربة العثمانية، للأسف، أطفأتنا وجعلت من التحديث حلما غير مشروع، وهذا الموقف استغلته قوى التحديث المزيفة لقطع الطريق على أسئلة عصر النهضة وأسئلة الحداثيين. نحن قاومنا لكن الدولة الحديثة غلبتنا، بعضنا دخل في مشروعها، وبعضنا قاطعها إلى أن بدأت تجربتها تنكشف، وتبين أن حركة القومية العربية حركة شعارات أكثر منها حركة فكر، وتبلورت المسألة تماما في 1967، فابتدأ السؤال من جديد حول نظام المعرفة في حركة التحرر، وتبين أن حداثتنا تجريب وصراع أفكار لا أنظمة تفكر أو علائق قائمة على السلب لا على الإيجاب ضد العثماني.. وضد الإسلامي.. بالتطابق.. أيضا جمهورها سار وراءها على الحاكم ثم اكتشف فجأة الفجوة بين المشروع والحلم، اكتشف أنه لا يوجد مشروع. في تقديري أيضا حركات الإسلام السياسي كانت حداثية بذات المفهوم، بمعنى أنها لم تكن موصولة تماما بالكلاسيك الإسلامي؛ لأنها لو كانت كذلك لاستطاعت استعادة الجمهور بهدوء على الأرضية المعرفية وليس الخطاب السياسي الأيديولوجي والتعبوي.

في النهاية أنا لست متشائما لكن يبدو أن الخسائر التي سنضطر لدفعها ستكون كبيرة، وهذا يحضنا على التفكير الجاد في المستقبل، علما بأنني أنتمي إلى جيل وسيط، وأنا غير مكلف وغير مؤهل تماما لتقديم رؤية للمستقبل بمفردي. أنا أقدم تجربتي وخبرتي أضعها بين أيدي الأجيال التي انتشرت فيها المعرفة أفقيا ورأسيا لتصون هويتها، يجب أن نستعيد حوارنا الحقيقي مع الأجيال وأن نحدث الوصلة بين الماضي والمستقبل، وأن نكف عن استحضار الماضي كمثال موجز أو الذهاب إلى المستقبل ونحن مقطوعون عن الماضي.

** ما أهم الأسئلة المستقبلية التي يمكن أن يصوغها هذا المشروع أو يجيب عنها؟

- التنمية الشاملة، معرفة وثروة، كيف نحول المعرفة إلى ثروة والثروة إلى معرفة في مشروع دنيوي، لا نظل نصادر الدنيا لصالح الآخرة ولا نصادر الآخرة لصالح الدنيا، يجب أن نتوقف عن هذه الثنائية الحادة؛ فالتخلف والأمية والضعف والفقر ليس شرطا للإسلام، شروط الإسلام معرفية بالأساس، هذه هي الأسئلة الأساسية "دولة ودين، تعدد ووحدة، وطنية وقومية" يجب أن نكتشف التعارض والتوافق بين هذه المفاهيم، "الدول الحديثة وعلاقتنا معها" كيف نحدث، وطريقنا إلى الحداثة، الهوية وثوابتها ومحركاتها هل هي مفتوحة على الآخر أم لا؟ هل الآخر شرط أم لا وكيف؟" هناك في رأيي أسئلة كثيرة يجب أن نطرحها ونصوغ إجابات عليها تشكل مشروعنا للمستقبل.

** لنأخذ منها عدة أسئلة ونتحدث عنها تفصيلا، ولنبدأ بالعلاقة مع الآخر، كيف يمكن صياغتها وبأي شروط؟

- أشعر أننا قدمنا التجربة دون أن نعيها، يعني الواقع الذي صنعناه أكبر من وعينا به في ظني؛ فالمسيحي العربي مميز؛ لأن الإسلام مكون ثقافي له، حتى في فهمه للمسيحية. لماذا الغربي يفهم المسيحية بمنهج يهودي؟ لأنه منقطع عن المنبع، لا يحقق شرط الإسلامي. ولماذا المسلم العربي له نكهة خاصة؟ هذه تأتي أيضا من فهمه للمسيحية من كون المشترك المسيحي ونظام القيم المسيحي ناهيك عن أشياء أخرى كثيرة داخلة في تكوين المسلم وثقافته. فالآخر عندما يصبح قيدا عليك يصحح فكرك ويصحح انتماءك، والقيد هنا بمعنى السوار في المعصم يزينك ولا يمنعك من الحركة. في رأيي: هذا يؤدي إلى تثبيتنا على الإسلام ثباتا لا يعني نفي الآخر؛ "فالكتابية" هي التي تجمعنا جميعا مسلمين ومسيحيين، أي أن ما يجمعنا هو "المعرفة".

** سيد فحص، إذا انتقلنا من مفهوم الآخر الداخلي الذي يشاركنا أرضنا وحضارتنا إلى الآخر الخارجي وهو المقصود أصلا بالسؤال.. فماذا عن العلاقة معه؟

- رأيي أنه يجب ألا نكف عن طموحنا إلى المشاركة في أطروحة للمستقبل؛ فالغرب يعاني كما نعاني، فلماذا لا نشاركه في صنع المستقبل؟ من الحكمة أن نقدم أكثر بنود هذه الأطروحة أو جزءا منها أو بعضها، ولكن المهم هو المشاركة.

** الكلام جميل ولكن تظل المشكلة في الآليات.. كيف يمكن ذلك؟

- أنا أضع هواجس كما قلت لك، وغير مخول وحدي بوضع مشروع، ولكن المهم أن نبدأ بوضع مشروع "رؤيوي"؛ فنحن منذ ثلاثينيات القرن الماضي لم نضع كتابا عربيا "رؤيويا". هناك ميشيل عفلق وساطع الحصري، ومثل هؤلاء لا تستطيع الأجيال الجديدة أن تقرأهم. لقد انتهت فاعليتهم، لم يبق لدينا سوى أسئلة عصر النهضة، وقد أخذت اعتبارها ونوقشت من الكواكبي إلى جمال الدين الأفغاني وصولا لمحمد عبده وأحمد عرابي ومصطفى كامل وعلي عبد الرازق، رجوعا لخيري الدين التونسي وعبد الكريم الخطابي، حتى السلفيين في عصر النهضة كانوا تقدميين بما فيها "الوهابية" نفسها. وشيعيتي لا تمنعني من هذا الاعتراف، نحن نحتاج إلى استعادة أسئلة عصر النهضة بتطورها وبما لحقها من إضافات أثرت على حجم وعمق السؤال. في رأيي نحن نحتاج إلى ورشة، لا بد من وجود مكان "نبيض فيه معرفيا"، مشروعا غير ملزم ومفتوحا على التطور.

** ماذا عن سؤال "الهوية".. من نحن وإلام ننتمي؟

- أنا خائف من الإجابة على سؤالك، لأنها قد تخرجنا من الواقع وتدخلنا في الأيديولوجيا، علما بأن هناك آية كريمة تقول: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}؛ فالهوية هنا متحركة ليس فقط في الوقائع المعرفية والاجتماعية وإنما مفتوحة على المستجد من المعرفيات، بمعنى أنه يمكن أن تذهب عناصر منها وتستجد عناصر أخرى؛ فأنا مثلا "هاني فحص" من آل فحص من لبنان من بلاد الشام، عربي مسلم، أفقي إنساني. هذه مركبات هويتي، وفي لحظة ما يظهر مستوى من هذه المركبات دون أن يلغي الآخر، ثم يظهر آخر في لحظة أخرى حيث يتمظهر في أحد المستويات، وأحيانا يظهر المشترك؛ فالهوية حركية وإلا سنقع في الأرسطية.. إما وإما هذه الثنائية الحادة القاتلة.

** دعنا ننتقل إلى مفهوم بات يقلق العديد من الشعوب الآن وهو مفهوم الجهاد؛ فهناك من يرى وجوب جهاد الطلب، وهناك من يرى أنه مرتبط بعصر ثم انتهى، وهناك من يرى -مثل أمريكا- ترك الجهاد نهائيا بما فيه الدفاعي؟

- أنا سأفاجئك وسأقول لك بأن الشيعة يؤمنون بأن جهاد الطلب "الابتدائي" مشروط بالإمام وليس بالفقيه، أما الجهاد الدفاعي فليس مشروطا بشيء وهو واجب على كل مسلم.

المسألة الثانية، واسمح لي أن أكون جريئا بأن أعترض على ما حدث من فتوحات بعد العصر "الراشدي"، هذا ليس معناه أنني أعترض على الأندلس، ولكن لي أسئلة على فتح الأندلس، وقد تقبلت فتح الأندلس كواقع تاريخي، فأنا متحفظ على الفتوحات، وفي تقديري أن الرسول صلى الله عليه وسلم -وأرجو ألا يكون ما سأقوله إساءة أدب- كان من الممكن أن يفاجأ بما حدث، فقد كان المطلوب إنضاج التجربة في شبه الجزيرة وطوقها الحضاري فقط. التوسع هنا شتتنا.

المسألة الثالثة، أنني مؤمن بأن الجهاد الأكبر هو الأساس وهو شرط أساسي للجهاد الأصغر، ومن يقوم بممارسة الجهاد الأصغر دون الجهاد الأكبر (مجاهدة النفس) يكون كمن يجني ثمرة قبل وقت إيناعها فسيكون طعمها مرا. ولماذا الجهاد الأكبر هو الأساس؟ لأن نظام القيم لدينا تخلخل، وهذا النظام هو ضمانة للأفكار وضمانة للعمل يجب أن نعود إلى موقعنا الوسطي والاعتدالي ونمارس التسوية الدائمة، فلو لم يبايع "علي" "أبا بكر" فماذا كان سيحدث، ولو لم يبايع من بعده "عمر وعثمان"، على سحب المشروع الخاص من أجل العام فهو كان متأكدا ومؤمنا من أن أمور المسلمين ستسلم من دونه، ولكن بمشاركته.

** سيد فحص، ماذا عن الدولة في إيران كنموذج إسلامي مطبق على الأرض.. ماذا عن الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين وأي أفق أمام هذا الصراع؟

- للأسف الحداثة في إيران مثل الحداثة لدينا عبارة عن تجريب وأفكار عامة، وحتى الآن مشروعها لم يتبلور فأمامها تحديات كبيرة. أيضا "خاتمي" نتاج ظاهرة بالتأكيد هي أوسع منه، وبالتالي فليس من المتوقع زوال هذه التجربة بخروجه من الحكم. وأنا أعتقد أنه لا أحد مرشح في إيران لإقصاء الثاني، ولكن الممكن الوحيد هو تلاقي الطرفين في منطقة وسطى ليبدءوا مرحلة جديدة في إيران، فقد كانت هناك مرحلة الثورة ثم جاءت مهلة الدولة، والآن يجب أن تحل مهلة الثورة والدولة في آن واحد. وهذه هي الأطروحة الجديدة التي يجب -في رأيي- عدم الاستعجال في الحكم عليها ومنحها مساحة من الوقت؛ لأن المشروع ما زال في حالة إنجاز.

** قلتم إن المشروع أمامه تحديات كبيرة، ما هي هذه التحديات على سبيل المثال؟

- هناك تحديات كثيرة، فمثلا دولة المجتمع المدني هذا مفهوم غربي فكيف سنطبقه، الديمقراطية لادينية -هذا نحت لغوي جميل ولكن يجب دراسة أطرافه- ولاية الفقيه، كيف يمكن تحديدها والحد من إطلاقها وتحويلها من فكرة قابضة إلى فكرة حاضنة؟؟

تقديري أيضا أن إيران تتميز بحيوية واسعة في المجتمع؛ فالمجتمع الإيراني يسبق دولته ويفكر لها أكثر مما تفكر له، بالإضافة إلى أن أحد مصادر الحيوية المهمة في إيران وجود نشاط داخل عنصرين من عناصر المجتمع "الشباب والمرأة"؛ لذلك فالمستقبل في إيران متحرك للأمام ويقوم بطرح الأسئلة الحادة، فإيران بتجربتها طرحت كل الأسئلة في ظني "غرب وشرق، دولة ودين، إسلام وعلمانية، تعدد وإصلاح، حداثة وإصلاح"، والآن إعادة طرح كل هذه الأسئلة ميدانيا الآن على المحك والتجربة ما زالت تتفاعل وأمامها الكثير لإنجازه.

** تحدثنا عن الدولة النموذج، فماذا عن الحزب النموذج -حزب الله- خاصة وقد أصبح نموذجا يحتذى من قبل حركات التحرر في الوطن العربي؟

نحن نتمنى أن يرتفع المشروع السياسي لحزب الله إلى مستوى الإنجاز الذي حققه بالمقاومة على الأرض، وهذا يحتاج في ظني إلى شرط ثقافي وآخر سياسي؛ ففي لحظات التحرير أنت تحتاج إلى استنفار أيديولوجي، إلى عواطف ساخنة، وإلى قليل من العقل والحنكة السياسية، أما في السلم وأنت تشكل مشروعك السياسي فأنت تحتاج إلى العكس، قليل من العواطف وكثير من العقل والحنكة، وهذا لا يأتي إلا بالمشاركة بألا يبقى الحزب "مخزولا ومختزلا" ومفصولا عن كل الأسئلة المحيطة به. يجب أن ينفتح على الآخر بكل ما يعنيه الانفتاح من قبول ومشاركة وإسهام في صنع مشروع جماعي للبناء.

** تحدثتم عن حزب الله فماذا عن حزب العدالة والتنمية في تركيا وهو قد قدم مشروعا سياسيا يتطلع إليه البعض بانبهار شديد؟

أنا أعتقد أنه يجب علينا أن ننتظر ونصبر قليلا على التجربة التركية، فهذا النموذج يأتي خلفا لنموذج سبقه واجهته عقبات كثيرة؛ لذلك فهو يريد أن يستفيد من التجربة السابقة، وهو قد قام بتغيير عميق لتجربة "أربكان"، وأنا لا أريد أن أدينه، ولكني أقف منه موقفا متسائلا، فمثلا عندما يعلن أنه سيحافظ على المواثيق بين الدولة التركية وإسرائيل، ويؤكد قبوله بعلمانية أتاتورك ويصر على الدخول في الاتحاد الأوربي... إلى آخره؟ في تقديري إذا كانت هذه سياسة مرحلية وذكاء من "أردوغان" فهو شيء جيد، وإذا كان ما يقدمه تنازلا من أجل السلطة تحت المظلة الأمريكية فهذا خطأ كبير؛ لذا فأنا أدعو إلى التريث في الحكم.

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع