إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

انعكاسات 11 سبتمبر على الإسلام في الغرب

الشيخ راشد الغنوشي

رغم أن مشهد النسف الدراماتيكي الهوليودي المروع لمركز التجارة الدولي في نيويورك وما خلفه من دمار وعدد كبير من الضحايا الأبرياء وجرح لا يندمل لكبرياء أعظم دولة هو حدث أمريكي وقع على أرض أمريكية، بما يجعله مجرد كارثة من بين كوارث كبرى -إن لم تكن أكبرها– تتناقلها يوميا وسائل الإعلام مصحوبة بالأسى والحزن على الضحايا والإدانة للفاعلين مثل المجازر التي حدثت في بورندي أو سيراليون أو الكونغو والبوسنة وكوسوفا وفلسطين والعراق... فإن هذا الحدث اكتسب خصوصية للأسباب التالية:

حدث اكتسب خصوصية

أولا: أن المتهم في حدث11/9 مسلم، رغم أن أحدا لم ينصبه أو يقبل به ناطقا باسم مليار ونصف مليار من المسلمين. القليل القليل منهم من سمع باسمه، أو قرأ كتابا أو مقالا له بسبب أنه لا ينتمي إلى أهل العلم.

وثانيا: بسبب أن الضحايا ينتمون إلى القوة الدولية العظمى ذات الطموحات الهيمنية العالمية.

وثالثا: بسبب أن مجموعة "المحافظين الجدد" ذوي التوجهات الهيمنية كانوا يبحثون عن أي ذريعة لوضع مخططاتهم الهيمنية المعدة من زمان موضع تنفيذ، وهم معروفون بنزوعاتهم اليمينية الصهيونية المتطرفة في عدائها للعرب والمسلمين وولائها لإسرائيل.

لكل ذلك اكتسب حدث 11/9 صفة "الحرب الصليبية" الشاملة على الإسلام: مبادئ ودولا وحركات إسلامية ومؤسسات مالية وإغاثية وتعليمية وأقليات إسلامية، لا سيما في دول الغرب، كما اكتسب الصفة الكونية التي فرضت نفسها أولوية على جدول الاهتمامات البشرية قاطبة على نحو لم يبق معه مناص أمام أي دولة بل أمام أي فرد أو مجموعة مهما كانت بعيدة عن الولايات المتحدة وعديمة الصلة بالحادث من اتخاذ موقف مؤيد للولايات المتحدة في حربها الكونية على "الإرهاب" بمطلق التحديد الأمريكي لمفهومه ولمن يستحق الإدراج في قوائمه، لا مناص من موقف التأييد، بمعنى بذل الوسع المستطاع في المشاركة الفعلية، وبذل الوسع في مساعدة الولايات المتحدة في تنفيذ ما تخططه في حربها "الصليبية" الكونية على الإرهاب: من مشاركة بالجنود، بالمال، بفتح الأجواء والمضايق أمام مرور قوات الولايات المتحدة بكل حرية، بتقديم المعلومات الاستخبارية عن الإرهابيين واعتقالهم وتسليمهم للولايات المتحدة حسب القوائم التي تحددها بكل حرية لتفعل فيهم ما تشاء دون أي قيود على تصرفها.. وقد لا تقف المشاركة عند هذه الحدود بل يجب من أجل إبراء الذمة الإسهام في تجفيف ينابيع الإرهاب ومصادرة وتجميد الأموال التي تقرر الولايات المتحدة أنها في خدمة الإرهابيين دون حاجة إلى المرور عبر حكم المحاكم؛ فالقوائم جاهزة والإضافات تتوالى مفتوحة دون حد، وما على الجميع إلا التنفيذ حتى إن كانت تلك الأموال راجعة إلى مؤسسات تغيث اليتامى والأرامل والمنكوبين في فلسطين والشيشان وأفغانستان، فقد تصل تلك الأموال أو قيل بأنها قد وصلت فعلا –دون دليل- إلى أيدي الإرهابيين أو إلى أطفالهم، وهل لأطفال الإرهابيين حقوق أيضا؟!

إنه الزمن الأمريكي!!

كل ذلك دون تحقيق قضائي ولا حكم محكمة، وإنما بمحض الاعتماد على تقارير استخبارية لا يدري أحد مصدرها الأصلي: موساد؟ معارض يكيد لحكومته؟ قوى صهيونية أو يمينية متصهينة متنفذة في دوائر القرار الأمريكية العليا ومراكز الدراسات التابعة لها؟ لا يهم من قدم تلك التقارير. أوليست التهمة هي الإرهاب؟ فالمتهم إذن مسلم، والتهمة ثابتة في زمن "أمريكي" جدول أعماله "حرب صليبية" على الإرهاب. وإذن فلا مناص في كل الأحوال من المضي مع التقارير الاستخباراتية إلى نهايتها حتى إن أفضت إلى حروب مدمرة سفكا للدماء وخرابا للبنى وتمزيقا للعلاقات بين الأمم والديانات.

أما من رفض أن يدرج الحدث على فظاعته ضمن أولويات حياته واعتبره حدثا أمريكيا لا يتحمل تبعته غير فاعليه مثل بقية الكوارث التي تقع في العالم كالتي ذكرنا، وأنه لا وجه للتوسع في تحميل مسؤوليته بما يتجاوز الفاعلين إلى عقائدهم وتاريخهم والشعوب التي قدموا منها كالشأن مع بقية الكوارث التي وقع بعضها في الولايات المتحدة ذاتها؛ فلا أحد حمل البروتستانت مسؤولية تفجير أوكلاهوما، ولا الكاثوليك مسؤولية المذابح التي ارتكبها التوتسي في رواندا، ولا أحد جرم الديانة اليهودية وكل يهودي بسبب المذابح اليومية التي يرتكبها شارون.

ولكن "حساب الحقل ليس دائما حساب البيدر"، ورغم تنصيص الدستور الأمريكي أن البشر يولدون متساوين في الحقوق والكرامة فإن هناك كما يقال متساوين أكثر من غيرهم؛ فقيمة الأفغاني عندما تقصفه طائرة أمريكية وهو في عرس لتحوله رمادا وعرسه مأتما لا تتجاوز مائة وثمانين دولارا بينما قيمة الأمريكي ضحية حادث لوكيربي عشرة ملايين وقد تصل قيمته إلى مائة مليون وأكثر في مركز التجارة الدولي، ليس الجاني هو المطالب بدفعها فقد قضى نحبه، وإنما قومه وأهل دينه من أصحاب الأموال. 

ومع أن قيمة الإنسان لا يعدلها وزن الأرض ذهبا فإن الأصل أن أموال الناس معصومة ولا تؤخذ إلا عن طيب خاطر أو حكم قضائي نزيه وعادل. ولكن ذلك لا ينطبق على سيدة العالم فهذه لها أحكامها الخاصة. وترسانات قوانين الإرهاب التي سنت حتى قبل 11/9 لإطلاق يد أجهزة الأمن ووضع يدها على الدولة وتحقيق النصر على الإرهاب، هذه القوانين كثير منها كان جاهزا والبعض لحق بسرعة على إثر الحدث فانطلقت مؤسسات القمع في أمريكا وفي بلاد غربية كثيرة بعد الحدث المذكور متخففة من كل القيود السابقة وبيروقراطية عدالتها الثقيلة البطيئة لتلاحق بفعالية الإسلام ومؤسساته على الصعيد العالمي تحت لافتة حرب صليبية على الإرهاب بزعامة سيدة العالم. ويهمنا هنا أن نقصر حديثنا على انعكاسات 11/9 على الأقليات المسلمة في ديار الغرب.

ماذا دفع المسلمون تكفيرا عن 11 سبتمبر؟

الأستاذ راشد الغنوشي

1-   لعل أكبر مستهدف والمتضرر الرئيسي من هذا الحدث المشئوم هو الإسلام في الغرب بسبب حداثة عهده، فهو نبتة طرية وجدت نفسها دون سابق إعداد ولا استشارة من أحد، في فوهة المدفع، محاطة بعاصفة من الكراهية والعداء والشك في الولاء على نحو غدا معه كل مسلم مشروع إرهاب وعضوا في طابور خامس وخطرا على الجماعة الوطنية وأمنها القومي، وكأن تحت كل مسلم هناك احتمال وجود عقرب أو حية متخفية وفي أي وقت يمكن أن تتحرك للانتقام والقيام بعمل إرهابي فجائي.

لقد غدا المسلمون صبيحة ذلك الحدث المشئوم -الذي لم يستشرهم فيه أحد- هم ودينهم ومساجدهم ومراكزهم ومدارسهم ورموز تدينهم مثل الحجاب، تحت الحصار والشك والاتهام والتعرض للمساءلة والتحقيق. وخشية من المساجد والمراكز أن تكون منطلقا لأعمال إرهابية، أو خشية عليها- لا سيما وقد تعرض بعضها وهو قليل للتحريق جزئيا أو كليا- فقد عمدت السلطة إلى وضع الكثير منها تحت المراقبة والحراسة.

أما النساء المتدينات فقد غدون عرضة للأذى وأقله بالكلام، وقد يزيد عن ذلك: فمنهن من تخففت مما يميزها ومنهن من لاذت بقعر بيتها ممتنعة حتى عن مرافقة أطفالها الصغار إلى المدرسة المجاورة كما كانت تفعل أو عن التبضع واقتناء حاجاتها الضرورية. لقد أحس المسلمون بثقل الغربة وحتى الخطر على حياتهم، تلاحقهم نظرات الشك والريبة. وكان ذلك أشد ما يكون في الولايات المتحدة وأقل منه في أوروبا وأخفه في شمالها أي في البلاد الإسكندنافية وبالخصوص السويد التي يعتبر تعاملها مع المسلمين مثاليا حتى إن أول متحجبة يسمح لها بالظهور في برامج التلفزيون الرسمي كانت في السويد، وذلك غير بعيد. كما عبرت نساء في الولايات المتحدة عن مستوى راق من التضامن والمناصرة للمسلمات المتدينات سواء من خلال مساعدتهن على اقتناء حاجتهن من الأسواق أو من خلال إقامة يوم للحجاب في بعض الأحياء تشتركن فيه مع المسلمات في ارتداء الحجاب، وكذا فعل بعض الطلبة في بعض الجامعات -ومنهم أقباط- إذ تولوا يوم الجمعة حراسة الطلبة المسلمين خلال أدائهم لصلاة الجمعة.

2-   كان للإعلام -وهو في غالبه واقع بشكل أو آخر تحت النفوذ الواسع للجماعات الصهيونية وهي الأشد عداوة للإسلام والمسلمين في الغرب والأكثر استهدافا لهم من خلال تضخيم أخطائهم والتركيز على إبراز نماذج التطرف وسطهم -دور في إمعان التشويه والتخويف -ولا سيما في بريطانيا- وتقديمهم على أنهم خطر على أمن البلاد ومكاسبها الحضارية مثل الديمقراطية وحرية المرأة وحرية الإبداع الفني وحرية ممارسة الشهوات حتى الشاذ منها. ويجد في أصوات عدد من وجوه التشدد مادة ثرية لخطته الثابتة في تسخين الأجواء من حول الأقليات المسلمة تمهيدا لعزلها ووصولا في ظروف مناسبة لتهجيرها بالجملة عبر شن حروب إبادة ضدها على غرار ما حدث في الأندلس قديما أو في البوسنة حديثا.

لقد قدمت أحداث11/9 مناسبة نموذجية للتعبير عن التضامن الغربي مع الولايات المتحدة ورد جمائلها على أوروبا في الحرب العالمية الثانية والظهور بمظهر الصف الغربي الواحد في مواجهة إرهاب العالم الإسلامي، حتى إن صحيفة كبرى مشهورة باعتدالها مثل صحيفة لوموند الفرنسية خرجت صبيحة الحدث وعلى غلافها عنوان ضخم: كلنا أمريكان، وعزفت على نفس النغمة وأشد الصحافة اليمينية والمتصهينة حتى وصفت صحيفة أقصى اليمين في بريطانيا المسلمين في الغرب بأنهم العدو بين صفوفنا.

لقد صنع الإعلام المعادي للإسلام والمسلمين أو الجاهل بهما مناخات مشحونة بالعداء راكمت بقوة ما هو موجود منها عبر مئات السنين، على نحو جعل كثيرا من المسلمين يفكرون بجد في البحث لهم عن بلاد أخرى للإقامة، بل إن بعضهم فعل.

ولكن إلى أين الرحيل وبلاد الإسلام على اتساعها يحكمها غالبا الجوع أو الخوف أو هما معا وتتوفر على قوانين للجنسية هي الأسوأ في العالم.

3-   ولأنه لا يزال في الغرب عقلاء وفيه تعددية في الرأي ورغم النفوذ الواسع للجماعات الصهيونية فإن ذلك لم يلغ التعددية وحرية الرأي، ورغم ما يحيط بها من ضغوط جعلت من نقد إسرائيل مهمة محظورة إن لم تكن محفوفة بالمخاطر، فإن الرأي الآخر له مكان مصان ولذلك أدرك أهل الرأي خطر المضي مع النفخ الصهيوني وما يوقده من حرب وفتن دينية وعرقية تهدد الاستقرار ومصائر ملايين من المسلمين والعلاقة مع عالم الإسلام، فضلا عن الأغراض الانتخابية بعد أن غدا الإسلام مكونا من مكونات الساحة السياسية يحسب له حساب، ودون إغفال قيم الحرية التي لا تزال مهما انتقصت تؤطر الحياة الغربية، بسبب كل ذلك أو بعضه فقد انطلقت دعوات لفرملة اتجاه إشعال لهيب الكراهية ضد الأقلية المسلمة، فصدرت تصريحات في مختلف العواصم الغربية من طرف مسئولين في أعلى هرم السلطة تصب ماء على النيران الموقدة، مؤكدة أن المستهدف هو الإرهاب وليس الإسلام ولا المسلمين، وأن الإسلام دين سلام وقيم نبيلة وله تاريخ حضاري مشرق. صدر ذلك عن بوش وبلير ودو فيلبان وزير خارجية فرنسا وغيرهم كثير، كما عمدت شبكات إعلامية ضخمة مثل BBC إلى الاحتفاء بالمناسبات الإسلامية مثل رمضان والحج والمولد وذلك عبر عروض ضافية تتمتع بقدر غير قليل من الموضوعية للتعريف بالإسلام وحضارته ومبادئه، وربما تكون أسوأ شبكات الإعلام هي شبكة "فوكس نيوز" المملوكة لمردوخ، فهي لم تغير قط من سياساتها.

كما أقدمت دول مهمة جدا من حيث مكانتها في الغرب ومن حيث عدد المسلمين فيها -أعني فرنسا- على دفع الوجود الإسلامي إلى طور جديد غير مسبوق هو مساعدتهم على الانتقال من وضع الهامشية والتشتت إلى وضع الانتظام ضمن مجلس منتخب يمثلهم أمام السلطة ويدافع عن مصالحهم.

وقد سبقت إلى ذلك منذ بضع سنوات بلجيكا، وأحسب أنه في نفس الاتجاه ستمضي الدول الغربية في التعامل مع أقلياتها الإسلامية التي ينظر إليها اليوم غالبا على أنها قد غدت مكونا رئيسيا من المكونات الوطنية، ينمو بسرعة كبيرة ومرشح للإسهام الفاعل في المصير الوطني على كل الصعد بما في ذلك الصعيد السياسي واعتباره جسرا مهما بين عالم الغرب وعالم الإسلام، غير أن أصوات التشدد العالية على قلتها يمثل خطابها عامل إعاقة وتشويش.

أما أعمال الإرهاب التي خطط ويخطط لها من لا فقه لهم ويسعون للاستدراج إلى محرقتها الشباب الإسلامي في الغرب بما في ذلك من بين المسلمين المهتدين، فهي الحماقة التي قد تصل مبلغ الجناية على هذه النبتة الطرية المبشرة بخير كثير لو صبرنا عليها وجنبناها المغامرات الطائشة وحرصنا على حسن تربيتها وتفاعلها الرشيد مع محيطها "إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى".

ومما أسهم في الحد من عمل بعض وسائل الإعلام الاستعدائي على وجوه إسلامية معروفة رفع بعضها دعاوى على هذه الوسائل إلى المحاكم بتهمة تشويه السمعة، وصدور أحكام قضائية ضدها تفرض عليها الاعتذار أو التغريم أو هما معا.

4-   أما أكبر إسهام في كسر الحصار الذي فرضته11/9 فقد جاء من القضية المباركة قضية فلسطين. ذلك أنه على قدر ما أسهمت جماعات "الإرهاب" في تشويه صورة الإسلام في العالم لا سيما في الغرب وربطه ظلما بالقسوة وفرض الحصار على أهله، بقدر ما كانت المقاومة المباركة في فلسطين تأتي لتفك العزلة والحصار عن الإسلام وحركاته وأقلياته، بما تتيحه من فرص للانفتاح على محيطهم من القوى التحررية للقيام بتحركات مشتركة جمعت في عواصم غربية وعربية، مسيرات مليونية لأول مرة في التاريخ تولت تنظيمها بالاشتراك مع جماعات إسلامية في الغرب لا سيما في بريطانيا. وهي لقاءات أولى من نوعها في التاريخ الحديث وجديرة بكل تنويه، غير أنه ما تلبث حوادث إعمال "العنف الأعمى" نسفا لمبان مدنية ولفنادق ومنتزهات أن تصرف اتجاه الرأي العام عن جرائم شارون لتتركز حول ما يسمى بالإرهاب الإسلامي؛ وهو ما غدا معه واضحا أن إعمال الجهاد في فلسطين وأمثالها من الأراضي المحتلة دفعا للاحتلال يمثل رافعة لمعنويات الأمة وعامل تحريك للفعاليات الشعبية داخل العالم الإسلامي وخارجه، بينما إعماله الغشيم خارج نطاق دفع الاحتلال سواء أكان ضد حاكم ظالم داخل العالم الإسلامي أو خارجه ضد طاغوت أمريكي متلمظ للسيطرة العالمية لم يعد على الإسلام وحركاته وأقلياته لا سيما في الغرب إلا بالسوء.

وهكذا الأعمال التي لم تتأسس على رؤية شرعية معمقة وفقه متعمق في الأحوال الدولية شديدة التعقيد لا يجني منها الإسلام وأهله وأقلياته بخاصة غير الشوك والبلاء.

وليس ذلك بمستغرب؛ فصلاح النيات لا يكفي في صلاح الأعمال ما لم يسندها أساس علمي متين، مع إن جماعات العنف لم ينشروا فكرا إسلاميا أصلا أو أن ما نشروه لم تحصد منه الأمة -حيث طبق في الجزائر ومصر- غير الخيبة، فتراجع عنه وتاب منه؛ وهو ما تولد عنه من عمل الشيوخ المؤسسين لتلك الأعمال الطائشة، غير أن فرعا منها بعد فشله الذريع في بلده الأصلي انطلق به يعمل تدميرا شرقا وغربا على غير بينة ولا هدى ولا كتاب منير. إذ لم يشهد لأعمالهم ولا لما تأسست عليه من فكر أهل العلم من جمهور الفقهاء في مصر وفي الجزيرة العربية وفي غيرها بل هم محل نقدهم مثل الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ سلمان العودة وسائر الحركات الإسلامية المعروفة.

على كل فقد أسهمت القضية الفلسطينية إسهامات معتبرة في تقديم الفرصة للجاليات الإسلامية في الغرب لفك الحصار عنها إلى حد والانفتاح على شرائح مهمة مناضلة ضد مشروع الهيمنة العالمية، فلا غرو أن تكون مقاومته أيضا مشروعا عالميا حتى داخل الولايات المتحدة ذاتها حيث يعد ضحايا الهيمنة الأمريكية على العالم بعشرات الملايين من بينهم عشرات الآلاف ممن زج بهم في محرقة العراق من بين فقراء السود وذوي الأصول الهسبانية.

5-    تم طرد آلاف من الشباب الإسلامي وترحيلهم من الولايات المتحدة إلى بلدانهم أو حشرهم في معتقلات دون محاكمة في انتظار التفرغ لهم، ومعظمهم إن لم يكونوا كلهم لا صلة لهم بالإرهاب، وإنما هم محالون على دوائر الهجرة لأنهم دخلوا إلى الولايات المتحدة لأسباب مؤقتة، وانتهت إقامتهم لكنهم اختاروا الاستقرار فاشتغلوا وتزوج بعضهم واستمروا يعيلون عشرات من العائلات في بلاد العالم الإسلامي وكانوا مرشحين لتسوية أوضاعهم وتعزيز الوجود الإسلامي في هذا البلد الضخم المتقدم حتى طاف عليهم طائف الإرهاب والحمق فأرداهم أسرى أو قذف بهم إلى البطالة والملاحقة الأمنية في بلادهم.

في المستوى السياسي: بسبب النمو المتزايد للمسلمين في الغرب عددا ونوعية فقد أخذوا يوسعون دوائر اهتمامهم من المستوى الديني: إقامة للمساجد والمراكز إلى المستوى التربوي: إقامة للمدارس وحتى الكليات الشرعية، إلى المستوى السياسي والإعلامي: مشاركة في العملية السياسية في المستوى المحلي والوطني، وكانت المرة الأولى في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تبرز فيها الأقلية المسلمة بشكل منظم يفاوض المتنافسين على تحقيق مطالبه، حتى جاء الحدث المذكور فنقلهم من مستوى تطوير الوجود والارتقاء بالمشاركة إلى طور الدفاع عن الوجود ومواجهة الأخطار المنذرة في الأفق، أخطار العزلة والاعتقال والترحيل وحتى الإبادة. إن عمل عشر سنوات على الأقل من التمهيد للمشاركة الفاعلة غالبا ما يكون قد تحطم. ولا حول ولا قوة إلا بالله. 

الأمر لا يخلو من بعض الإيجابيات

وبمقياس مبادئ الإسلام وأخلاقياته في الجهاد فإن مثل هذا القتل العشوائي وإزهاق الآلاف من الأرواح ممن ليست طرفا مباشرا في الحرب على الإسلام، يعد عملا مخالفا للشرع ولا يندرج تحت مسمى الجهاد، وبمقياس المآلات والنتائج فمفاسده ولا شك التي تبدت حتى الآن ظاهرة وراجحة عما يتصور له من مصالح، فقد وضعت تلك الأعمال الهوجاء الإسلام وأهله ومؤسساته وأقلياته في فوهة المدفع، حتى لكأن هذه الآية الكريمة جاءت لتصف حال أعداء الإسلام مع المسلمين صبيحة الحدث المشئوم "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق". من الصين إلى روسيا والفلبين إلى دول الحِل الأمني في التعامل مع الحركة الإسلامية استعرت نار الحرب ضد الإسلام وحركاته ومؤسساته. ولك أن تنظر الحالة التي غدت عليها الحركة الإسلامية في حقل من أخصب حقولها: المغرب، صبيحة حدث مماثل في الدار البيضاء تبنته نفس الجماعة، كيف انتقلت من حال الانتشار إلى حال الدفاع عن الوجود بعد أن غدا رأسها مطلوبا متهما بالتسبب في المصيبة... رغم كل الشرور التي ذكرنا، ولأن الشر لا يأتي عادة صرفا فكان ملائما التنقيب في ثنايا الشرور عن بعض المصالح التي يمكن أن تكون حصلت عرضيا:

أ- انكشاف مخاطر التطرف وما يمكن أن يجلبه إغراؤه بأنه الطريق الأقوم والأشجع إن لم يكن الوحيد للتمكين للإسلام والتصدي للطغيان الأمريكي. لقد جاءت أحداث 11/9 وما تلاها مما شابهها لتشكل رأيا إسلاميا عاما مضادا لهذا النهج المغامر الذي قدم على طبق من ذهب أعظم الخدمات لأشرس تحالف بين أعداء الإسلام: عصابة اليمين الصهيوني. وهذا الانكشاف لخيبة هذا النهج في أن يحقق للإسلام شيئا خارج أرضه الأصلية جاء معززا لخيبته في أن يحقق شيئا على أرضه بعد الإعلانات المتكررة من طرف قيادات هذا التيار في مصر والجزائر عن تراجعهم وتوبتهم وتبنيهم للفكر الوسطي.

ب- الضجة التي أثارتها هذه الأحداث منذ 11/9 فرضت على كثير من أهل الغرب ممن لم يكن لهم شأن بالإسلام فضلا عن بعده الجغرافي عنهم -لا سيما في أمريكا- أن يصبح جزءا مؤثرا وفاعلا في حياتهم وإن سلبا، فتحركت دوافع كثير منهم للاطلاع على هذا الإسلام بدافع الفضول على الأقل للوقوف على سر هؤلاء الشباب المتعلمين المنتمين لعائلات مستقرة ومحترمة.. ما الذي يدفعهم إلى المغامرة والإقدام على التضحية بحياتهم انتقاما من الأمريكان؟! هل بلغ ظلم أمريكا إلى هذا الحد؟ ما سر هذه الكراهية التي تتصاعد في العالم الإسلامي بل العالم كله ضد بلدهم؟ فلا غرو أن تروج سوق الكتاب الإسلامي والإقبال على المراكز الإسلامية واستدعاء المحاضرين الإسلاميين لا سيما في أمريكا حيث لم يكن للرأي العام صلة بالإسلام أصلا، هو رأي عام طيب وبسيط وخاضع للتأطير الإعلامي. لا جرم أن بعضهم يمكن أن يقوده الاطلاع على جوانب من الإسلام إلى الاهتداء بفضل الله.

لكن كل ذلك لا يعني بحال نجاحا للإرهاب، فليس همنا أن نسلك مع الآخرين المسلك الذي يجعلهم يخرجون أسوأ ما فيهم، بل مهمة الداعي أن يعين الآخرين على استخراج جوانب الحسن والخير في شخصيتهم. وما من شك في أن الولايات المتحدة قد تعرضت لجرح عميق وخطير في كبريائها فوجدت قيادتها المتلمظة للهيمنة العالمية فرصتها التاريخية للسيطرة على مصادر الطاقة وتأمين الهيمنة الإسرائيلية. لقد نجح التطرف اليميني الصهيوني من جانب، والتطرف الإسلامي من الجانب الآخر في شق هوة في العلاقات الإسلامية الغربية تحتاج إلى قوى التعقل والاعتدال على الجانبين ولجهود ضخمها للترميم والتجسير في عالم تسير به تقنيات الاتصال إلى مصير واحد مشترك، إما نحو تعايش سلمي على أساس الاعتراف بالتعدد والاختلاف والتعاون وتبادل النفع ولن يكون لذلك من سبيل غير العدل والتخلي عن نزوعات الهيمنة والسيطرة والاحتكار والاحتلال..يستبعد أن يكون تعايش سلمي مع استمرار احتلال العراق والدعم غير المشروط للاحتلال الوحشي لفلسطين.

أما السبيل الآخر فهو التنافي والدمار الذي لن يسلم منه أحد؛ فقد تقارب العالم وتيسرت أسباب الدمار الشامل التي لا يعجز عنها أحد وذلك درس من دروس 11/9.

هناك ما يدعو للتفاؤل

لا نزال متفائلين بإمكان التعايش بين أقرب حضارتين إلى بعضهما بالتاريخ والجغرافيا والمبادئ لا سيما مع وجود عقلاء في الولايات المتحدة وفي الاتحاد الأوروبي، سواء بنواته التأسيسية الألمانية الفرنسية أم بدول شماله؛ وهو ما من شأنه أن يهمش التطرف والعنف والإرهاب من حيث أتى. ويجعل من الحدث المؤلم 11/9 وما تلاه باعثا إلى استخلاص العبرة منه أنه على الظلم لا ينهض بنيان، وأن العلاقات الدولية في حاجة ماسة لمراجعة جادة تجعل هذا الكوكب الصغير قرية صغيرة وواحة للسلام العادل وليس "غولاك" و"جوانتانامو". ولنذكر وحدة الأصل والرب والنبوات والمصير وأصالة الحق والعدل في بنيان الكون، وعندها سيكون 11/9 البداية لعلاقات دولية جديدة عادلة وليس منطلقا للسيطرة والانتقام كما يفعل الفريق المتطرف الذي يقود دولة عظمى والعالم ونظيره في الجبهة الأخرى إلى الكارثة لولا الكابح الأوروبي الذي يحتاج إلى دعم جاد من صف عربي إسلامي موحد ومتين "والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع