|
الخطاب
الديني هو أحد تجليات الفكرة
الإسلامية التي قامت بالأساس على
فكرة الدعوة، وقد شكَّل الخطاب
الديني في الخبرة التاريخية
الإسلامية دعامة أساسية من دعامات
المشروع الإسلامي، من حيث دوره
ووظيفته في البلاغ المبين، وحمله
رسالة الإسلام إلى الأغيار، ومن حيث
أهميته في مجال الاجتماع الإسلامي،
باعتباره أحد الروافد الأساسية
للنهوض، من خلال دوره التوعوي في
توفير الحافز، واستلهام الدافعية
للفعل والتأثير، ومحاصرة السلبيات
التي تطرأ على صفحة الواقع الاجتماعي.
الملجأ
والملاذ
وقد
اكتسب الخطاب الديني مصداقيته، ونال
أهميته، من محوريته القيمية في
الفكرة الإسلامية، ومن ثم رصيد
المصداقية المتوفرة للمؤسسات
والمنابر التي انبعث منها ذلك
الخطاب، خاصةً المسجد.
وقد
جاء الخطاب الديني - خاصة في حِقَب
التحديات - على مستوى اللحظة، ومما
أكسب هذا الخطاب فاعليته، ملامسته
القضايا الحقيقية لواقع المجتمع
الإسلامي ولمجمل الواقع العالمي.
لقد
جادل البعض في محدودية هذا الدور،
وشكك في إمكاناته في ظل التطورات التي
لحقت بتنظيم الدولة في المجتمعات
الإسلامية، وإعادة هيكلة المؤسسات
وصياغتها لصالح الفكرة العلمانية على
حساب الفكرة الإسلامية، كما أن
الخطاب الديني - وفقًا لرأي هؤلاء -
عانى من الدور المتعاظم للوسائط
الإعلامية، والتي جاءت كعنصر مقلص
ومهمش لدور الخطاب الديني، إلا أن
اللحظات الفارقة والنوازل الكاشفة
والشواهد العملية، أثبتت أن المؤسسات
الدعوية والخطاب الديني، ما زال
يستقطب قلوب وعقول عموم الجماهير
المسلمة، وما زال له رصيد كبير من
المصداقية، وإن تعرض للاهتزاز في
الآونة السابقة نتيجة بعض السياسات
الخاطئة من جهة، وللسلبيات التي
اكتنفت الخطاب الديني الذي شابَهُ
القصور من ناحية أخرى.
لقد
أثبتت الأحداث وأكدت المستجدات أهمية
الخطاب الديني، ودور المؤسسات
الدعوية، خاصة المسجد، الذي أضحى
موئلاً يتلاقى فيه الجميع، من أجل
تلمس سبل المشاركة، والبحث في كيفية
تقديم العون، وسبل الدفع لمواجهة ما
تمر به الأمة من أزمات، وما يحيط بها
من تحديات.
وبالجملة
يمكن القول: إن المنابر الدينية صارت
هي الملجأ الذي يفزع إليه الكثيرون
ليعيروه الآذان، ويلتمسون لديه
الإجابة على التساؤلات.
هذا
الخطاب الآن
رغم
هذه الأهمية، وتلك الوضعية التي
تتوفر للخطاب الديني، فإن الواقع
الحالي يشير إلى أن هذا الخطاب - في
مُجمله الآن - لم يرتقِ إلى مستوى
اللحظة التاريخية، ولم يقُم بعدُ
بدوره المأمول كواحد من أهم وأنجح
وسائل ترقية الوعي وشحذ الهمم، وما
ينتج عن ذلك من المساهمة في إنضاج
واقع الأمة، حتى تنتقل المجتمعات
الإسلامية بكافة شرائحها من حالة
الحيرة والإحباط واختلاط المفاهيم
والتباس الرؤى، إلى واقع الإحساس
بالمسئولية وتقدير حجم التبعة،
وإفساح المجال أمام الجموع
الإسلامية، وتمكينها من امتلاك
القدرة على تفسير وفهم ما يجري، ووضعه
في سياق الرؤية الإسلامية التي تعصم
من التردي في مهاوي اليأس والقنوط،
وتأخذ بالحُجُز بعيدًا عن الارتكان
إلى القعود والسلبية.
لقد
بات مُلِحًّا وضروريًّا البحث في شأن
الخطاب الديني، وفحص معالمه وقسماته،
والعمل على تطويره، حتى يُسهم بدوره
ويعاود استئناف ما انقطع في مساره
التاريخي، حتى يقف على واحد من أهم
الثغور، ويسد واحدة من أكبر الثغرات
في واقع الأمة.
ففي
مثل هذه اللحظات التاريخية التي تكشف
عن أن مستقبل الأمة صار على المحك،
وأن الآونة القادمة ستشهد تدافعًا
وتصاولاً بين الأمة وخصومها، يتوجب
النظر في شأن الخطاب الديني حتى
يستعيد دوره التاريخي كمنصة انطلاق
للمشروع الإسلامي، وكحائط صد أمام
العاديات التي تريد اقتلاع الأمة من
جذورها واحتلاب ضرعها حتى الدم، من
خلال الاستيلاء على ثرواتها
ومقدراتها والعبث بهويتها.
ولكي
ينجز الخطاب الدعوى مهماته، فإن
قدرًا من الصراحة والصدق ينبغي أن
يتوفر لوضع اليد على مكامن الخلل،
واستبيان عوامل العطب في هذا الخطاب،
ذلك أن هذا الخطاب فوق أنه لا يرضي
طموح وآمال أبناء الأمة، ولا يصل إلى
مستوى التحدي، فإنه - وبفعل عوامل
القصور والنقص التي تعتريه - خلَّف
آثارًا سلبية، وجعل الكثيرين يفقدون
الثقة في هذا الخطاب، وينفرون منه،
ويشعرون بقدر كبير من الاغتراب
وبُعْد المسافة حياله، وهذا الأمر
ترتب - بالأساس - على سوء الأداء،
والقصور في مجال صياغة وتكوين الخطاب
الدعوي.
آفاق
مأمولة من الخطاب الديني
على
الخطاب الديني أن يتخلص من غُربته عن
واقعه الاجتماعي، وأن يكون أكثر
التصاقًا بالقضايا والمشكلات
الواقعة والمعاصرة، على صعيد المحيط
الاجتماعي المحلي، أو على الصُّعُد
الإقليمية والدولية.
وفي
كثير من الأحوال صارت المشكلات
والإشكاليات متداخلة، في ظلال ما
وفرته ثورة الاتصالات، وفي ظل
المستجدات السياسية والاقتصادية،
بحيث أصبحت قضايا كثيرة لا تستولي على
اهتمام بلد بعينه، ولا تتوجه
تأثيراتها إلى قطر بذاته، بقدر ما
تستحوذ على اهتمام الرأي العام في جُل
أقطار العالم، وبقدر ما تتناثر
تأثيراتها لتطال عشرات، وربما مئات
الأقطار.
البعد
عن المحسومات
لقد
أدى الإسراف في طرح قضايا محسومة، لا
تتلامس مع الهموم المجتمعية، وأخرى
من نتاج حقب ماضية.. أدى إلى هامشية
وعزلة الخطاب الديني، ووقوعه في
شَرَك الاغتراب، وبدلاً من أن يساهم
ذلك الخطاب في إعادة الالتئام الواعي
بين المسلم وواقعه المعاصر، أصبح
مشاركًا في شيوع حالة الانسحاب
والتوجس. وقد أدى ذلك إلى تفشي
التوجهات السلبية والانعزالية،
وتوفير الأعذار للانسلاخ والتقاعس عن
القيام بالواجبات والنهوض
بالمسئوليات على هدى وبصيرة، وعلى
ضوء الوعي بحقائق أن جهود التغيير لا
تؤتي أكلها بين عشية وضحاها.
إيجابية
لا اتكالية
إن
كثيرًا من المشكلات الاجتماعية وهموم
الأمة، يتم تداولها بشكل مغلوط
ومُضلِّل، بفعل جنوح الخطاب الديني
في أحيان كثيرة إلى تثبيت معانٍ
ومفاهيم تفضي إلى الاتكالية
والانسحابية، وعدم الانخراط في
الواقع الملوث!! وفي سعي لاسترداد
صورة تاريخية وتوهم إمكان تكرارها
بشكل حرفي، دون الالتفات إلى أن أهم
سمات الفكرة الإسلامية تتجلى في
واقعيتها ومعاصرتها، ليس بمعنى
الانهزامية والانصياع لكافة
المستجدات على قاعدة المحاكاة،
والاستجابة المائعة للضغوطات، وإنما
بمعنى قدرة الفكرة الإسلامية على
الاستجابة للتحديات، وتوليد حلول
واقعية وناجزة لما تجلبه النوازل من
تحديات.
كل
ذلك يرتبط بأن يعيش المسلم واقعه
وعصره، وأن يحيط بأجوائه ومشكلاته في
إطار تفاعلي، وبعقل اجتهادي، وبمعزل
عن الانسحابية والكسل الفكري.
تفاعل
لا انسحاب
إن
الدعوة الإسلامية في ثوابتها القيمية
ومثالها التاريخي، وكذا الخطاب
الديني كأحد تجلياتها في مراحل
الإشعاع الحضاري، لم يكن خطاب هروب،
ولا انطواء وانسحاب إلى الماضي، ولا
منكفئًا على الذات، كما أنه لم يكن
خطابًا عازفًا عن الانخراط في
المشكلات والهموم الاجتماعية،
مُعرِضًا عن التصدي لها.
منذ
اللحظات الأولى نجد الخطاب الدعوي
ينفتح على قضايا الواقع، ويطرح
الحلول العملية، ويُدشِّن الرؤى
الإصلاحية، بدءًا من قضايا الرق
والاستعباد، والتفريق بين بني البشر،
إلى قضايا وأد البنات، وما بين ذلك من
مختلف القضايا في كافة مناحي الحياة،
وذلك على صعيد الوعي بمشكلات العالم،
وهي مشكلات تقع في قلب اهتمامات
الفكرة الإسلامية، على قاعدة "عالمية
الفكرة الإسلامية"، وفي ضوء الوعي
بأن العالم لا يمكن أن يكون جُزُرًا
معزولة، وأن التدافع سُنَّة من سنن
الله في كونه.
لذا
رأينا القرآن يربط المسلم بأهمية
الإلمام والإحاطة بمثل هذه القضايا،
فتأتي الآيات لتتحدث عن الصراع بين
الفرس والروم، ويدرك المسلم بوعيه
المتسامي الذي تشرَّبه من عمق
الإيمان بفكرته تحديد مستويات
الخصومة والعداء، وأي المعسكرين على
مقربة منه، وأيهما أبعد.
وتتجلى
تلك المعاني وهذه الإحاطة في ربعي بن
عامر، الذي لخَّص بخطابه الدعوي وهو
يجادل قائد الفرس، زبدة الفكرة
الإسلامية، وعلة العلاقات الدولية
القائمة على الاستكبار والاستغلال،
كل ذلك يطرحه ربعي في كلمات موجزة: "جئنا
لنخرج الناس من عبادة العباد إلى
عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى
سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان
إلى عدل الإسلام".
قضايا
أغفلها الخطاب الديني
الآن
نجد الخطاب الديني - في أكثر اللحظات -
غافلاً عن كل هذا، وإذا أردنا التمثيل
بقضايا تجسيدية أمكننا الإشارة إلى
وهن الصلة بين ذلك الخطاب والمشكلات
الاجتماعية، فقضايا مثل ارتفاع نسبة
العنوسة في العالم الإسلامي، إضافة
إلى تزايد معدلات الطلاق والتفسخ
الأسري وخطورته على التماسك
الاجتماعي، واتجاه الشباب إلى
المخدرات، كل هذه القضايا وقضايا
أخرى عديدة، لا نجد الخطاب الدعوي
يوليها الاهتمام الكافي، وهو إن تعرض
لها، فمن باب مرور الكرام، والوقفات
السريعة الخاطفة، دون أن يمتلك
القدرة على طرحها بشكل جدي وموضوعي،
من خلال الوقوف على الإحصاءات
والبيانات - وهي مفزعة - ودون الإحاطة
بالتداعيات الخطيرة لهذه الظواهر،
وربط كل ذلك بالرؤية الإسلامية
وأطروحاتها لعلاج مثل هذه القضايا،
وتحفيز المسلم للمشاركة في إنشاء
المؤسسات والجمعيات التي تنشط في
علاج مثل هذه المشكلات.
على
صعيد آخر من القضايا، نجد الخطاب
الديني أهمل ولم يحقق نجاحًا في الطرح
الموضوعي لعلاقة الأمة بالغرب،
ومتابعة المستجدات، ووضع القواعد
الحاكمة في هذا الإطار، بل إن الخطاب
الديني ساهم في زيادة الالتباس، بطرح
شعارات عامة، وبتناول مبتسر يفتقد
إلى التحري والإحاطة من جهة، وإلى
الاطلاع على خلفيات الرؤية الإسلامية
الواعية من جهة أخرى.
لقد
بدا وكأن الغرب كله كتلة واحدة، وأنه
عدو بكافة أطيافه ومكوناته، دون
الوعي بما ينطوي عليه الغرب من
تنويعات، والتفاوت بين مستوياته
السياسية والحضارية والاجتماعية،
والتفاوت في كل دائرة من هذه الدوائر
أحيانًا.
لقد
بدا وكأن الجماهير المسلمة تعاني
الدوار وهي تشاهد متناقضات تعجِز عن
تفسيرها بشكل منطقي، فهي ترى جحافل
قوى غربية استعمارية تريد نهب الأمة
وقهرها، وفي ذات الوقف ترى رأي العين
جموعا غربية تسبق بفعلها وأدائها
الجموع الإسلامية في رفض العدوان.
وخلاصة
القول:
إن
طبيعة المرحلة وحجم التحديات يؤكدان
على حجم الدور، ومقدار الحاجة للخطاب
الديني، ويظل ذلك مرهونًا بقدرة ذلك
الخطاب على التشافي من علله، والنهوض
من كَبْوته، واستكمال نواقصه، حتى
يواصل دوره التاريخي الذي أصابه
الخلل منذ أمد.
**
كاتب
ومحلل سياسي مصري
|