إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

 

تفعيل الذات.. بل تفعيل الكون! (2)

كمال المصري(*)- 19/02/2003

نستكمل هنا ما بدأناه في المقال السابق عن جوانب عملية تفعيل الذات الأربعة، التي تناولنا جانبين منها في المقال السابق، وهنا نكمل الحديث. 

الجانب الثالث: تفعيل الذات مع الأمة:

لا تحتاج إلى كثير حديث؛ إذ هي جزءٌ مما سبق، تم الحديث عنها مع حديث تفعيل الذات مع النفس، غير أنه من المهم أن نتذكر أن أوَّل ما بدأ به رسولنا صلى الله عليه وسلم دعوته كان دعوته أهله وعشيرته، ثمَّ انطلق بها إلى قريش، ثمَّ إلى العالَمين.

وأمّتنا اليوم في حاجةٍ ماسَّةٍ لذلك النذير القريب الحبيب الذي يدعوها كي تعود إلى صدارة الركب، وقيادة الأمم.

أمّتنا التي وصفها الله تعالى بأنها خير أمَّة أُخرِجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله قد تراجعت عن ذلك كلِّه، وتفرَّقت بعد اتِّحادٍ واعتصام، وضعفت بعد قوَّة، وهي اليوم في أمسِّ الحاجة لمن يحيي مَواتها، ويوقظ نيامها، ويحرِّك الكسالى وخائري العزم.

من يقوم بذلك؟

إنه الفرد المسلم الذي عرف ذاته، وأحسن بناءها، ثم فعَّل هذه الذات بوقود الإيمان والصلة بالخالق سبحانه، وبتربية النفس بأحسن التربية؛ فدعا، وعمل، وبذل، واستغلَّ كلَّ ما عنده من ملَكاتٍ وقدراتٍ وطاقاتٍ، مستهينًا بالصعوبات التي تواجهه، لا يسمح للخوف أن يسيطر عليه، ولا للقلق أن يكبله؛ لأنه إن فعل فقد روحه ونفسه وإرادته، وبات أسيرًا في سجن الجمود والتخلف والنسيان، لا يُؤبه له، ولا يعرفه أحد، ولا يذكره لا أهل السماء ولا أهل الأرض، وغدا نتوءًا زائدًا كم تمنى الكون لو تخلَّص منه.

الجانب الرابع: تفعيل الذات مع الآخر:

إن الإسلام دين عالمي يخاطب الجميع: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ِإلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء: 107)، "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" (سبأ: 28)، وكل مسلم مكلَّف بتبليغ هذه الرسالة إلى من لم يصلهم التبليغ، ولا يمكن أن يقوم المسلمون بالتبليغ وقد أوصدوا أبواب بيوتهم على أنفسهم، وعزلوا أنفسهم عن العالم.

كما أن العالم اليوم متداخلٌ بشكل لا يمكن أن ننزع أنفسنا منه، ودوائر الاتصال والالتقاء فيه أقوى من أن يفرط عقدها أحد، ومن خرج من هذه الدوائر فقد حكم على نفسه بالهلاك.

وهذا كله يعني أنه لا مفرَّ أمامنا من تعميق روح التواصل العالمي مع الآخرين لإيصال الأفكار والرؤى إليهم؛ لأننا إن لم نفعل نكن قد خالفنا أمر ربنا، وقُدْنا أمتنا إلى الهاوية.

الكثيرون حولنا لا يعرفون عن الإسلام شيئًا، والأكثر منهم من ينظر إليه بسوء فهمٍ متراكمٍ نتيجةً لعدم تواصلنا الحيِّ معه، وقد حفل كتابنا الكريم بالعديد من الآيات المؤكدة على الأخوة الإنسانية البشرية رغم ما قد يكون من اختلاف في العقيدة أو في المنهج الفكري، يقول تعالى: "وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأَحْقَافِ" (الأحقاف: 21)، "وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا" (الأعراف: 65)، "وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا" (الأعراف: 73).

ولعلها دعوةٌ لتشكيل نهجٍ مختلفٍ في منطق التعامل مع الآخرين، والانفتاح عليهم، ومحاولة فهمهم دون مواقف مسبقة، أو تراكماتٍ قديمة، نهجٍ يعتمد التعامل مع الجميع بروحٍ مرنةٍ، وقلبٍ كبيرٍ، يستوعب مختلف الاتجاهات والتوجهات، يحاورهم بصدرٍ رحبٍ بعيدًا عن الغلظة والشدة والعنف، ويقرأ آراءهم بفهمٍ ورويةٍ؛ فيستطيع بعد ذلك أن يغيِّر قناعاتهم في هدوءٍ وعلمٍ ودراية.

تمامًا كما هو منهج الله تعالى الذي أنزله لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في دعوته لأهل الكتاب، حين أمره بالحوار الإيجابي الذي يُبرز نقاط الاتفاق، ويجعلها مرتكزًا للتلاقي ومتكأً للاقتراب، ومنطلقًا للتعاون الجادِّ المثمر، قال الله تعالى: "قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ" (آل عمران: 64).

مبتعدًا بذلك كل البعد عن الحوار السلبيِّ الذي لن يصل إلا إلى مناطق الصراع والاختلاف والتضادّ، قال الله تعالى: "وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" (العنكبوت: 46).  

إن المسلم كي يستطيع تفعيل ذاته مع الآخر عليه أن يحرِّر عقله ليكون أوسع من الكون، ونفسه لتكون أكبر من الأرض، وروحه لتكون أعظم من الدنيا، وأن يملك قلبًا يسع العالَم كله؛ فإن فعل ذلك فإنه يسير في طريق الأنبياء والرسل والصادقين من دعاة الأمة الذين استوعبوا الإنسانية بكل اختلافاتها وتعدداتها، واستطاعوا أن يكون لهم فيها موطئ قدمٍ يحمل أثرهم حتى يلقوا الله تعالى وهو راضٍ عنهم؛ فيأمنوا ويهنئوا، ويا له من أمنٍ وهناء!!

إن الواقع والأحداث شلالٌ هادرٌ لا يقف، والمسلم الذي يريد تحقيق شيءٍ للعالَمين عليه أن يمتلك ذاتًا تفوق هذا الشلال قوةً، وتسبقه اندفاعًا، ذاتًا أقرب ما تكون من ربها وخالقها العظيم، ذاتًا تتجاوز ضعف النفوس وخوفها من التغيير، تقبض على عزيمةٍ هي أعلى من القمم السامقة، وأقوى وأثبت من الجبال الرواسي؛ فينطلق من هذه الذات إلى تفعيل ذات الأمة التي أُخرجت للناس كي تكون خير أمة، والتي أُرسِلت كافَّةً للناس؛ فتتفعَّل الأمة، وتنطلق لتفعِّل الكون كلَّه. 

فهل يقف المسلم عند حدِّ معيَّنٍ، ويوقف حركته المتصاعدة، وبالتالي يختار حياة الخاملين الكسالى التنابلة؟ أم يستمر في حركته المتجددة المستمرة المتصاعدة، وإن واجه أشد الصعوبات؟

ليختر كل مسلمٍ ما يشاء من ذلك، لكن ليعلم أنه لا بدَّ أن يُذعِن لحقيقةٍ ربانيةٍ لا يمكن معارضتها، وهي أن الحياة قامت على الحركة والتطور والتجدد والتغيير، وأن التوقُّف يعني الجمود والتحجر والموت، وأن الله تعالى حذَّر المتولِّين المرتدِّين عن نهجه قائلا: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" (المائدة: 54)، "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" (محمد: 38).

إما حب الله تعالى والعزة والفضل، وإما بغضه سبحانه والاستبدال والذل.. إنه اختيار المسلم.. ونتاج تفعيل ذاته.


** مستشار قسم الدعوة بالموقع

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع